التاريخ الاقتصادي لتركيا

التاريخ الاقتصادي لجمهورية تركيا قد يُدرس حسب الفترات المتميزة بتغيرات رئيسية في السياسات الاقتصادية:

  1. 1923‏-1929، حين ركـَّزت سياسة التنمية على تراكم الثروة الخاصة؛
  2. 1929‏-1945 حين ركـّزت سياسة التنمية على تراكم الدولة للثروة في فترة أزمات عالمية؛
  3. 1950‏-1980، فترة تصنيع تقوده الدولة مبني على حمائية لاستبدال الواردات؛
  4. 1980 وما بعدها، انفتاح الاقتصاد التركي على التجارة الليبرالية في السلع والخدمات وتعاملات الأسواق المالية.

إلا أن ثمة سمة مميزة بين 1923–1985، كانت في جزء كبير نتيجة للسياسات الحكومية، ألا وهي أن اقتصاداً متخلفاً تطور ليصبح نظاماً اقتصادياً معقداً ينتج نطاقاً واسعاً من المنتجات الزراعية والصناعية والخدمية للأسواق المحلية وللتصدير، وقد نمى ذلك الاقتصاد بمعدل سنوي متوسط يناهز 6%.

منذ 1820، شهدت تركيا نمواً اقتصادياً وتنمية بشرية بمستويات يمكن مقارنتها بباقي دول العالم، ولكنها كان أعلى من الدول النامية.[1]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بين الحربين العالميتين

 
في عهد أتاتورك تقدم الاقتصاد من سياسات حكومية إلى اقتصاد مختلط يتماشى مع ازدياد رأس المال في المجتمع.

في وقت انهيار الدولة العثمانية (انظر اقتصاد الدولة العثمانية) أثناء الحرب العالمية الأولى وما تبعه من ميلاد الجمهورية، كان الاقتصاد التركي متخلف: اعتمدت الزراعة على تقنيات بالية ومواشي هالكة، وكانت القاعدة الصناعية لتركيا ضعيفة؛ والمصانع القليلة التي كانت تنتج سلعاً أساسية مثل السكر والدقيق كانت تحت سيطرة أجنبية نتيجة شروط الاستسلام.

تعافى اقتصاد تركيا بشكل ملحوظ بمجرد انتهاء القتال. ومن 1923 حتى 1926، ارتفع الناتج الزراعي 87%، بعودة الانتاج الزراعي إلى مستويات ما قبل الحرب. ونمت الصناعة والخدمات بمعدل يفوق 9% سنوياً من 1923 حتى 1929؛ إلا أن نصيبهم في الاقتصاد ظل ضئيلاً في نهاية عقد العشرينيات. تدخلت الحكومة في مطلع الثلاثينيات لدفع التعافي الاقتصادي، متبعةً مبدأ يُعرف بإسم سيطرة الدولة etatism. تباطأ النمو أثناء أسوأ سنوات الكساد، ما عدا بين 1935 و 1939 حين بلغت 6% سنوياً. وأثناء الأربعينيات، تعطل الاقتصاد، أساساً بسبب الاحتفاظ بحياد مسلح أثناء الحرب العالمية الثانية قد زاد من نفقات البلد العسكرية بينما حد بشكل شبه تام التجارة الخارجية.


بعد 1950

بعد سنة 1950 عنت تركيا اضطرابات اقتصادية بمعدل اضطراب كل عشر سنوات؛ وقد حدثت أخطر أزمة في أواخر السبعينيات. وفي كل مرة، شهدت تركيا فترة النمو السريع بقيادة التصنيع، اتسمت بارتفاع حاد في الواردات، فينتج عنها أزمة في ميزان المدفوعات. خفض قيمة الليرة التركية وبرامج التقشف المصممة للتقليل من الطلب على السلع الأجنبية كانت تـُنفـَّذ حسب ارشادات صندوق النقد الدولي. تلك الاجراءات أدت، في المعتاد، إلى تحسن كافي في الحسابات الخارجية للدولة لتجعل من الممكن استئناف إقراض تركيا من الدائنين الأجانب. وبالرغم من أن التدخلات العسكرية في 1960 و 1971 كانت مدفوعة جزئياً بمصاعب اقتصادية، نرى أنه بعد كل تدخل كان السياسيون الأتراك يرفعون الانفاق الحكومي، مما يسبب إسراع عجلة الاقتصاد التركي لدرجة السخونة الزائدة (اضطراب ميزان المدفوعات بسبب الواردات). وفي غياب إصلاحات بنيوية جادة، عانت تركيا بشكل مستمر من عجز في الحساب الجاري، اعتادت أن تموّله بالاقتراض الخارجي مما جعل الدين الخارجي للدولة يرتفع من عـِقد إلى عـِقد، ليبلغ في عام 1980 نحو 16.2 مليار دولار، أو أكثر من ربع الناتج المحلي الاجمالي السنوي. وبلغت تكلة خدمة الديون في ذلك العام 33% من صادرات السلع والخدمات.

وفي أواخر السبعينيات، بلغ الاقتصاد التركي أسوأ أزماته منذ سقوط الدولة العثمانية. فقد فشلت السلطات التركية في اتخاذ اجراءات كافية لضبط آثار الارتفاع الحاد في أسعار النفط في 1973–74 وقامت بتمويل العجز الناجم بقروض قصيرة المدى من المقرضين الأجانب. وبحلول 1979 بلغ التضخم مستوى الثلاث أعداد (أي أكثر من 100%)، وارتفعت البطالة إلى نحو 15%، وأصبحت الصناعة تعمل بنصف قدرتها، ولم تعد الحكومة قادرة على دفع حتى فوائد الديون الأجنبية. وبدا أن تركيا لن تتمكن من التنمية بدون أزمات إلا إذا تم اتخاذ تغييرات رئيسية في منهاج الحكومة في التنمية بإحلال الواردات. شك العديد من المراقبين في قدرة السياسيين الأتراك على القيام بالإصلاحات المطلوبة.[2]

الطبيعة البشرية لا تحب الاعتراف بالخطأ وأنهم خربوا ما كان موكلاً إليهم. ولكن ما فعل الجنرال كنعان إڤرن، بتشجيع من صندوق النقد الدولي، هو أن أرسل، في السبعينيات، شباباً نابهين ليعملوا في الصندوق (كمال درويش) وفي البنك الدولي (طرغد أوزال). هؤلاء الشباب عادوا وأقاموا حكماً مدنياً غير متخاصم مع العسكر وطوّروا التعاون مع الصندوق وتنفيذ توصياته. وبعد تولي أوزال الحكم، قام بتخفيف حكم السجن المؤبد على الجنرالين كنعان إڤرن وتحسين شاهين‌كايا، لقتلهم رئيس الوزراء عدنان مندريس، إلى ثمان سنوات بالمستشفى.

إصلاحات أوزال

 
رئيس الوزراء طرغد أوزال، رائد الإصلاحات النيوليبرالية، يقف مع القطب الصناعي شكيپ صبانجي في مصنع إطارات، 1983.

في يناير 1980، بدأت حكومة رئيس الوزراء سليمان دميرل (الذي عمل رئيسا للوزراء من قبل في 1965–71، 1975–78، و 1979–80) في تنفيذ برنامج إصلاحي واسع صممه نائب رئيس الوزراء طرگد أوزال لنقل اقتصاد تركيا إلى النمو بالتصدير.

استراتيجية أوزال تطلبت استبدال سياسات إحلال الواردات بسياسات مصممة لتشجيع الصادرات التي يمكن أن تمول الواردات، لتعطي تركيا فرصة للفكاك من نمط ما بعد الحرب من فترات متناوبة من النمو السريع والانكماش. بتلك الاستراتيجية، طمح المخططون لأن تتمتع تركيا باقتصاد تقود فيه الصادرات النمو على المدى الطويل. اتـَّبعت الحكومة تلك الأهداف عبر حزمة شاملة: تخفيض قيمة الليرة التركية وإرساء أسعار صرف مرنة، والحفاظ على أسعار فائدة حقيقية إيجابية والسيطرة الحازمة على المعروض النقدي والائتمان، والتخلص من معظم الدعم وتحرير الأسعار التي تبيع بها المؤسسات الحكومية ، وإصلاح النظام الضريبي وتشجيع الاستثمار الأجنبي. وفي يوليو 1982، حين غادر أوزال المنصب، كان العديد من إصلاحاته قد تم تنفيذها. إلا أنه بدأ، مرة أخرى، في نوفمبر 1983، حين أصبح رئيساً للوزراء، كان قادراً على توسيع برنامج تحرير الاقتصاد.

تغلب برنامج تحرير الاقتصاد على أزمة ميزان المدفوعات، مستعيداً قدرة تركيا على الاقتراض في الأسواق المالية العالمية، وأدى ذلك إلى تجدد النمو الاقتصادي. فنمت صادرات السلع من 2.3 مليار دولار في 1979 إلى 8.3 مليار دولار في 1985. نمو واردات السلع في نفس الفترة – من 4.8 مليار دولار إلى 11.2 مليار دولار – لم يجاري نمو الصادرات، ونتيجة لذلك فقد ضاق العجز التجاري، بالرغم من أن مستوى العجز قد استقر عند حوالي 2.5 مليار دولار. وقد كان لسياسات أوزال وقعاً إيجابياً خاصاً على حساب الخدمات في الحساب الجاري. وبالرغم من ارتفاع فوائد الديون، من 200 مليون دولار في 1979 إلى 1.4 مليار في 1985، فإن حساب الخدمات قد راكم فائضاً متنامياً أثناء تلك الفترة. ازدياد دخل السياحة ورسوم خطوط الأنابيب من العراق كانتا السببين الرئيسيين لهذا التحسن. ساعد دعم استقرار الحساب الجاري على استعادة المصداقية الائتمانية في الأسواق المالية العالمية. الاستثمارات الأجنبية، التي كانت لا تـُذكر في السبعينيات، بدأت الآن في النمو، بالرغم من أنها بقيت متواضعة في منتصف عقد الثمانينيات. كما تمكنت تركيا من الاقتراض من السوق الدولي، بينما لم يكن بمقدورها في أواخر عقد السبعينيات إلا طلب مساعدات من صندوق النقد الدولي والدائنين الرسميين الآخرين.

الخفض في النفقات العامة، الذي كان بمثابة قلب برنامج دعم استقرار الاقتصاد، جعل الاقتصاد يتباطأ بشكل حاد في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات. انخفض الناتج القومي الإجمالي الحقيقي 1.5% في 1979 و 1.3% في 1980. عانى قطاعا الصناعة والخدمات معظم وقـْع ذلك الانخفاض في الدخل، إذ عمل قطاع الصناعة بما يقرب من 50% من إجمالي قدرته. ومع انبساط قيد الأقساط الخارجية، عاود الاقتصاد النمو بشدة. وبين 1981 و 1985، نما GNP الحقيقي 3% في السنة، يقوده في ذلك نمو قطاع الصناعة. ومع وجود كوابح حازمة على رواتب العمال وأنشطتهم (النقابية)، بدأ القطاع الصناعي في تقليص القدرة الصناعية غير المستخدمة ورفع الانتاج بمعدل متوسط قدره 9.1% في السنة بين 1981 و 1985. كما ساعد خفض قيمة الليرة على جعل تركيا أكثر تنافسية من الناحية الاقتصادية. ونتيجة لذلك، ازدادت الصادرات الصناعية بمعدل متوسط قدره 45% سنوياً أثناء تلك الفترة.

العودة السريعة للنمو والتحسن في ميزان المدفوعات لم يكن كافياً للتغلب على البطالة والتضخم، اللذين بقيا كمشاكل خطيرة. فقد انخفض المعدل الرسمي للبطالة من 15% في 1979 إلى 11% في 1980، إلا أنه، جزئياً بسبب النمو السريع في قوة العمل، فإن البطالة عاودت الارتفاع، إلى 13% في 1985. وانخفض التضخم إلى نحو 25% في فترة 1981–82، إلا أنه عاود التسلق ليتعدى 30% في 1983 وأكثر من 40% في 1984. وبالرغم من أن التضخم قد تراجع بعض الشيء في 1985 و 1986، فإنه بقي واحداً من المشاكل الرئيسية التي كانت تواجه صناع السياسات الاقتصادية.

 
خط أنابيب كركوك-يمرطالق أنشأه العراق، على نفقته، في منتصف السبعينيات ولعب دوراً محورياً في انطلاق الاقتصاد التركي.

الأداء الاقتصادي في مطلع ع1990

مع محدودية وصول العراق للخليج العربي، اعتمد العراق بشكل كبير على تركيا كممر لتصدير النفط الخام. وقد موّل العراق خطي أنابيب متجاورين من حقول كركوك الشمالية إلى ميناء يمرطالق التركي على البحر المتوسط، إلى الشمال الغربي مباشرة من الإسكندرونة. القدرة الإجمالية لخطي الأنابيب كانت 1.1 million barrels per day (170,000 m3/d) (برميل/يوم). ولم تحصل تركيا فقط على جزء من احتياجاتها النفطية من خط الأنابيب، بل كانت تحصل على رسم عبور معتبر. قدرت بعض المصادر رسومه ما بين 300 مليون دولار إلى 500 مليون دولار.

أصيب الاقتصاد التركي بضربة في الصميم بسبب حرب الخليج عام 1991. الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق اقتضى إنهاء صادرات النفط عبر خط أنابيب كركوك-يمرطالق، وقد نتج عن ذلك فقدان تركيا لرسوم خط الأنابيب. وبالاضافة لذلك، فقد خسر الاقتصاد التركي ما يناهز 3 مليار دولار كانت في التبادل التجاري مع العراق. إلا أن السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة هبـّت لتعويض تركيا عن تلك الخسائر، وفي عام 1992 عاود الاقتصاد التركي النمو بسرعة.

الأداء الاقتصادي المبهر لتركيا في الثمانينيات حاز إعجاب وكالات التصنيف الائتماني في وال ستريت. وفي عامي 1992 و 1993، استخدمت الحكومة تلك التصنيفات لجذب أموالاً لتغطية عجز الميزانية. وبلغت اصدارات السندات الدولية في تلك الفترة 7.5 مليار دولار. ساعدت تلك التدفقات المالية على الحفاظ على سعر الصرف المبالـَغ فيه. ففي اقتصاد السوق، يجب أن يُترجـَم المستوى المرتفع للاقتراض الحكومي إلى مستويات مرتفعة لأسعار الفائدة بل وربما "يخنق" مقترضي القطاع الخاص، وبذلك يـُبطئ النمو الاقتصادي. ولكن اقتراض الحكومة من الخارج أزال الضغوط عن معدلات الفائدة المحلية، بل وحفـّز المزيد من اقتراض القطاع الخاص في اقتصاد ساخن جداً. ولشعورها بوجود فرصة ربح سهلة أثناء تلك الفترة، اقترضت البنوك التجارية التركية بأسعار الفائدة العالمية وأقرضتها بأسعار الفائدة المحلية العالية في تركيا بدون الخوف من انخفاض قيمة العملة. ونتيجة لذلك، ارتفعت الديون الأجنبية قصيرة المدى لتركيا بشكل حاد. وخفتت الثقة الخارجية والداخلية في قدرة الحكومة على ادارة أزمة أقساط الديون المستحـَقة، مما ضاعف من المصاعب الاقتصادية.

مقتل أوزال
 
جنازة الرئيس أوزال.

تصادف وسط تلك الأزمة المالية الشديدة، الوفاة المفاجئة للرئيس الجمهورية طرگد أوزال في 23 أبريل 1993. ومنذ ذلك الحين تتواتر شائعات حول اغتياله بالسم. وفي 3 أكتوبر 2012 أُخرِج جثمانه من القبر.[3] وقد أثبت التحقيق وجود المبيد الحشري DDT بتركيز عشرة أضعاف المستوى الطبيعي.[4]

تانسو تشلر تفشل في الترويج لبيع ديون تركيا

 
رئيسة الوزراء تانسو تشلر تصافح خليفتها المنتخب مسعود يلمظ، 1995.

النزاعات بين رئيسة الوزراء تانسو تشلر (يونيو 1993–1996) ومحافظ البنك المركزي قوّضت الثقة في الحكومة. فقد أصرت رئيسة الوزراء على تسييل monetizing عجز الميزانية (بيع ديون الحكومة إلى البنك المركزي) بدلاً من الموافقة على اقتراح البنك المركزي بإصدار المزيد من الدين العام في شكل أوراق مالية حكومية. استقال محافظ البنك المركزي، رشدي سراج‌أوغلو، في أغسطس 1993 بسبب هذه القضية. —يجدر ملاحظة أن مصر اتبعت في نفس ذلك الوقت اقتراح بيع ديون دولة، إلا أنها قامت بذلك في صمت وباعت الديون إلى جمال مبارك، ابن الرئيس. فربما جاء الاقتراح للدولتين من نفس المصدر— وفي يناير 1994، خفـّضت وكالات التصنيف الائتماني الدولية ديون تركيا إلى ما دون المستوى الاستثماري. وفي ذلك الوقت، فقد استقال محافظ ثاني للبنك المركزي، نهاد گول‌تكين.

انعكس القلق المتصاعد حول الفوضى في السياسات الاقتصادية في تسارع "دولرة" الاقتصاد إذ حوّل الأهالي ممتلكاتهم إلى ودائع بالعملات الأجنبية لحماية استثماراتهم ومدخراتهم. ومع انقضاء عام 1994، كان ما يناهز 50% من إجمالي قاعدة الودائع قد تحولت إلى ودائع بعملات أجنبية، بالمقارنة بنسبة 1% في 1993. خفض تصنيف تركيا من قِبل وكالات التصنيف الائتماني وانعدام الثقة في قدرة الحكومة على خفض عجز الميزانية إلى 14% من الناتج المحلي الإجمالي لسنة 1994 أشعل هرب رؤوس الأموال على نطاق واسع وانهيار سعر الصرف. اضطرت الحكومة للتدخل ببيع احتياطيها من العملات الصعبة لوقف تدهور سعر الليرة التركية. ونتيجة لذلك فقد انخفض احتياطي العملة الصعبة من 6.3 مليار في نهاية 1993 إلى 3 مليار بنهاية مارس 1994. وقبل نهاية أبريل، حين أُجبـِرت الحكومة على اعلان برنامج تقشف، طال انتظاره، بعد الانتخابات المحلية في مارس 1994، وانخفضت الليرة بنسبة 76% من نهاية 1993 لتبلغ 41,000 ليرة للدولار الأمريكي الواحد.

حزمة الاجراءات التي أعلنتها الحكومة في 5 أبريل 1994، قـُدِّمت أيضاً لصندوق النقد الدولي كجزء من طلب الحكومة لخط ائتمان قدره 740 مليون دولار ليبدأ في يوليو 1994. ضمت الاجراءات زيادة حادة في أسعار بيع منتجات شركات القطاع العام المباعة للعامة، وخفض النفقات في الميزانية والتعهد برفع الضرائب والوعد بالإسراع في خصخصة مؤسسات الدولة الاقتصادية. وتساءل بعض المراقبين عن مصداقية وجدوى تلك الإجراءات، أخذاً في الاعتبار أن اجراءات الضرائب ستـُترجم إلى زيادة دخل الحكومة يعادل 4% من ن.م.ا وخفض النفقات سيكافئ 6% من ن.م.ا.

في الواقع، نجحت الحكومة في تحقيق فائض صغير في الميزانية أثناء الربع الثاني من 1994، أساساً نتيجة رفع الضرائب، بعد أن كان لديها عجز قدره 17% في الربع الأول. إلا أن التباطؤ في الانفاق الحكومي، والفقدان الحاد لثقة رجال الأعمال، والانخفاض الناتج في النشاط الاقتصادي قلل الدخل الضريبي. أزمة الموازنة أسفرت عن انخفاض في ن.م.ا الحقيقي قدره 5% في 1994 بعد أن الاقتصاد ينمو بقوة في عامي 1992 و 1993. كما انخفضت الرواتب الحقيقية في 1994: فالزيادة المتوسطة للرواتب الاسمية 65% كانت أقل بنحو 20% من تضخم أسعار المستهلك.

وقد أشار المحللون إلى أنه بالرغم من هشاشة عملية تكيف الاقتصاد الكلي وبقاء سياسات الموازنة عرضة لتدخلات الضغوط السياسية، فإن الحكومة ظلت خاضعة لضوابط وتوازنات السوق. وبالاضافة لقطاع خاص قوي، خصوصاً في جبهة التصدير، فإن الاقتصاد كان يـُتوقع نهضته بنمط نمو أسرع.[5]

وثمة بحث شامل في دورية الاقتصادات النامية كتبه متى فريدون من مدرسة أعمال گرينتش، يورِد دليل إحصائي أن أزمات العملة في تركيا أثناء تلك الفترة اقترنت بظروف سيولة دولية، اختلال موازنات وهروب رؤوس الأموال وضعف القطاع المصرفي العالمي.[6]

وثمة بحث أحدث من متى فريدون نـُشِر في دورية "مالية وتجارة الأسواق البازغة" يبحث فرضية وجود علاقة سببية بين ضغط المضاربة وارتفاع سعر الصرف الحقيقي، وهشاشة القطاع المصرفي، ومستوى الاحتياطيات الدولية في تركيا. هذا البحث يلقي مزيداً من الضوء على التاريخ الاقتصادي لتركيا في التسعينيات.[7]


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الأزمة الاقتصادية وتعويم الليرة

 
سعر الدولار الأمريكي بالليرة التركية من 30 يونيو 1999 وحتى 12 نوفمبر 2021. ويظهر سعر الدولار في 2 يناير 2002، حين تولى أردوغان رئاسة الوزراء. المصدر: fxtop.com


 
رئيس الوزراء بلند أجاويد مع ممثل البنك الدولي كمال درويش، إثر الإعلان عن تعويم الليرة التركية في 22 فبراير 2001. وبعد شهر عيّنه وزيراً للشئون الاقتصادية.

في 22 فبراير 2001، تم تعويم الليرة التركية، فارتفع سعر الدولار بالنسبة لليرة التركية من 682666.7 إلى 1159452.2 بنسبة 69.8% في أول يوم للتداول الحر. وواصلت الليرة الهبوط حتى بلغت 1383049.3 في 18 أبريل 2005.

 
السفير الأمريكي روبرت پيرسون (يمين) يلتقي رئيس الأركان العامة التركية الجنرال حلمي أوزكوك (يسار) في أنقرة في يوم الإثنين 7 يوليو 2003.

وفي يوليو 2010، كان على درمش يلمظ، محافظ البنك المركزي التركي، أن يدافع عن تعويم الليرة التركية أمام رجال الأعمال الذين كانوا يشكون إليه من عدم اليقين الذي يضفيه تذبذب العملة على صادراتهم.[8]

خطورة أزمة 2001

كان الانهيار الاقتصادي في 2001 رمزًا للمشاكل السياسية والاقتصادية التي كانت تضرب تركيا لسنوات. وقلت الثقة في الحكومة بشكل كبير جدًا بسبب الفساد والعجز عن تشكيل تحالفات دائمة. وكشف انهيار السوق المالي أن الوضع الاقتصادي التركي ليس فقط ضعيفًا للغاية ولكنه يعتمد اعتمادًا كليًا على الاستثمار الأجنبي. وبالرغم من أنه لم يكن حدثًا كبيرًا مثل انخفاض الاستثمارات الأجنبية أو العجز الهائل في الميزانية، إلا أن الانهيار سلط الضوء على الوضع السياسي غير المستقر في الفترة الأخيرة في تركيا.

التفسيرات المنتقدة تنظر بشكل أكثر مبدئية لآثار أزمة 2001 على المجتمع التركي وتحوله بعد عقد الثمانينيات إلى الليبرالية الجديدة. وحسب مقال صحفي، فإن الأزمة التركية في 2001 وخطة الإنقاذ الحكومية ساعدت على الحفاظ على وتجديد وتقوية "العلاقات الاجتماعية غير المتساوية بنيوياً للسلطة وطبقات المجتمع التي تميز الرأسمالية النيوليبرالية التي تقودها مؤسسات تمويل" بأشكال خاصة بمؤسسات المجتمع التركي.[9] ويعني ذلك انتهاء مبدأ تكافؤ الفرص، ومأسسة التراتب الطبقي للمجتمع، والرضا بها.

لذلك برزت الحاجة الماسة لنظام سياسي ثقافي جديد يسهـِّـل على الشعب تقبـُّل التغيرات الاجتماعية الهائلة. وفي هذا السياق يلعب الدعاة الدينيون دوراً محورياً. لذا فقد برز رجال مثل فتح الله گولن ثم نجم الدين أربكان. ليفتحوا الطريق لتزاوج القرار السياسي مع الثقافة الدينية متمثلة في حكم رجب طيب أردغان.

الليرة الجديدة

 
رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان يعلن تغيير اسم الليرة التركية الجديدة إلى الليرة التركية، تارة أخرى، في 3 أكتوبر 2008، بعد أربع سنوات من طرح الليرة الجديدة.

فقدت الليرة التركية الجديدة نحو 47% من قيمتها في ثلاثة أشهر من 27 أغسطس 2008 (1.18) إلى 25 أكتوبر 2008 (1.733).

وفي 3 أكتوبر 2004، قررت تركيا حذف ستة أصفار من عملتها ليصبح اسمها الليرة التركية الجديدة والتي تساوي 1,000,000 ليرة تركية.

وبعد أربع سنوات، في 3 أكتوبر 2008، أعلن رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، تغيير اسم الليرة التركية الجديدة إلى الليرة التركية، تارة أخرى.

ثم واصلت الانزلاق حتى بلغت في 4 نوفمبر 2016 قيمة 3.149 .


عهد أردوغان 2002-الحاضر

في 2002، ورث أردوغان اقتصاداً بعد عام من تعويم الليرة، وقد بدأ في التعافي من الركود نتيجة الاصلاحات التي قام بها كمال درويش بإرشاد من صندوق النقد الدولي.[10] ساند أردوغان وزير المالية علي باباجان في تقوية سياسات الاقتصاد الكلي. حاول أردغان اجتذاب المزيد من المستثمرين الأجانب إلى تركيا وأزال العديد من الضوابط الحكومية.

مبادرة الخصخصة 2005-2009

 
عائد الخصخصة بالمليون دولار في تركيا من 1985-2009.JPG.

في الفترة من 2005-2009، أطلقت تركيا مبادرة الخصخصة، التي باعت فيها، حسب تقرير الأمم المتحدة، الأصول التالية، وغيرها، مقابل 30 مليار دولار: مصانع انتاج السكر في كوتاهية وأماسيا وقيصري، مصانع إت وباليق للأعلاف الحيوانية، ومصنع سماد سمسون، ومناجم الكروم.[11]

الحكومة أخدت عوائد الخصخصة ووزعتها على محاسيبها لعمل مشاريع عقارية، أحياء سكنية جديدة وعمارات وكباري وأنفاق. -- نهضة الأسفلت والخرسانة.

وحين اشتعلت الأزمة المالية التركية في 2018، كان أهم أعراضها: حاجة ماسة لقروض لاستيراد أعلاف حيوانية (800 مليون دولار) ولحوم (2+ مليار دولار) وسكر (500+ مليون دولار) وقمح (1.2 مليار دولار).

الاقتراض

 
إجمالي الدين الخارجي لتركيا من 2001-2018. المصدر: tradingeconomics.com
 
الدين الحكومي التركي من 1986-2018. المصدر: tradingeconomics.com
 
سعر الفائدة لثلاثة أشهر بين البنوك، 2007-2018.
 
معدل البطالة في تركيا بين 2005 و 2018

إلا أن أهم ما يميز الاقتصاد التركي في عهد أردوغان هو الارتفاع الحاد في الاقتراض الخارجي من البنوك الغربية، ودون الاعتماد على الاقتراض من صندوق النقد الدولي. فقد بلغ إجمالي الدين الخارجي لتركيا 112 مليار دولار حين تولى أردغان الوزارة في مارس 2002، ثم قفز هذا الدين إلى 421,434 مليار دولار في نهاية النصف الأول من عام 2016

وتسببت التدفقات النقدية إلى الاقتصاد التركي بين 2002 و 2012 تسببت في نمو قدره 64% في الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي وزيادة 43% في ن.م.ا. للفرد؛ وقد تم تداول أرقاماً أعلى من ذلك كثيراً إلا أن تلك الأرقام لم تأخذ في الحسبان تضخم الدولار الأمريكي بين 2002 و 2012.[12] متوسط النمو السنوي في ن.م.إ. للفرد كان 3.6%. والنمو في ن.م.إ. الحقيقي بين 2002 و 2012 كان أعلى من قيم الدول المتقدمة، ولكنها كانت أقرب إلى متوسط الدول النامية. ترتيب الاقتصاد التركي من حيث ن.م.ا. تحسن قليلاً من المركز 17 إلى 16 أثناء ذلك العِقد من الزمان. وثمة عاقبة رئيسية للسياسات بين 2002 و 2012 ألا وهي اتساع عجز الحساب الجاري من 600 مليون دولار إلى 58 مليار دولار (تقدير 2013)[13]

 
أردوغان وڤلاديمير پوتن وسيلڤيو برلسكوني في افتتاح خط أنابيب التيار الأزرق في نوفمبر 2005

منذ 1961، وقعت تركيا 19 اتفاقية قروض مع صندوق النقد الدولي، اثنين منهما في عهد أردوغان. وقد نفـّذت حكومة أردوغان الشروط الموازنية والسوقية للصندوق في كلا القرضين وحصلت على كل ترنشات (دفعات) القرضين، وكانت تلك هي المرة الوحيدة التي تلتزم تركيا بتطبيق كل شروط الصندوق لكل الدفعات.[14] ورث أردوغان ديناً قدره 23.5 مليار من صندوق النقد الدولي، انخفض (بالسداد) إلى 0.9 مليار في 2012. وقد قرر عدم توقيع اتفاق قرض آخر مع الصندوق. دين تركيا لصندوق النقد الدولي تم سداده بالكامل.[15] وفي 2010، كانت مقايضة مخاطر الائتمان للسندات السيادية التركية لخمس سنوات تـُتداول عند مستوى قياسى أدنى قدره 1.17%، وهو أقل من نظرائه في تسع دول أعضاء في الاتحاد الاوروپي وروسيا.

وفي 2002، كان لدى البنك المركزي التركي احتياطي عملات أجنبية قدره 26.5 مليار دولار. هذا الاحتياطي بلغ 135.6 مليار في 2013.[16] وأثناء زعامة أردوغان، انخفض التضخم من 32% إلى 9.0% في 2004. ومنذ ذلك الحين، فقد واصل التضخم التذبذب حول 9% ومازال واحداً من أعلى معدلات التضخم في العالم.[17]

الدين العام التركي، كنسبة من ن.م.ا. السنوي قد انخفض من 74% في 2002 إلى 39% في 2009. وفي 2012، حققت تركيا أقل نسبة دين عام إلى ن.م.ا. بين 21 دولة من 27 دولة عضو في الاتحاد الأوروپي وقللت نسبة عجز ميزانية إلى ن.م.ا. إلى ما دون 23 دولة منهم.[18]

ارتفع معدل البطالة من 10.3% في 2002 إلى 11.0% في 2010.[19]

 
المؤشرات الاقتصادية لعهد أردوغان. المصدر: الإكونومست.



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الاقتصاد الأردغاني Erdoganomics

الإكونومست
ساهم بشكل رئيسي في تحرير هذا المقال

”الشعب صوّت للاستقرار“، هذا ما قاله الرئيس أردغان بعد انتصار حزبه في الانتخابات العامة في نوفمبر 2015. وتجاوبت الأسواق المالية مع النتيجة. وقفز مؤشر بورصة اسطنبول والليرة التركية مقابل الدولار الأمريكي، منهين انزلاقات طويلة للبورصة والليرة. وأظهرت مؤشرات نهاية العام 2016 منحى مرتفع في نمو ن.م.ا.، من حوالي 3% إلى ما يقرب 4%. إلا أن نشوة رجال الأعمال سرعان ما تبددت. فالاستقرار، قطعاً، يبز الفوضى أو شهور من مفاوضات تشكيل ائتلاف، الأسواق بدت كما لو كانت تقول: "ولكن لو الاستقرار يعني “المزيد مما نحن فيه”، فنحن لسنا متأكدين.[20]

وقد يكون ذلك اختياراً صعب المراس. فتركيا قامت بقفزات اقتصادية كبيرة في الخمسة عشر سنة الماضية. فبينما أصبحت تركيا مركزاً معتبراً لتجميع أجهزة التلفزيون والسيارات التجارية الصغيرة من ماركات آسيوية مختلفة، إلا أنها تظل غير متميزة بصناعة أو ماركة معينة، كما ذكر رئيس الوزراء السويدي، كارل بيلت صديق الأتراك، حين قال في معرض نقاش حول انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي: الدول الأوروبية معروفة بأنها دول صناعية، ولكن إذا نظرنا للماركات التركية، نكاد لا نرى سوى ماركات بسكويت ومراتب للأسرة. إلا أن تركيا اليوم هي ثامن أكبر منتج للغذاء وسادس أكبر وجهة للسياح. وثلاثة وأربعون من أكبر 250 شركة إنشاءات في العالم هم شركات تركية.

كما برعت تركيا في صناعة النسيج. فمنذ عشر سنوات كانت مصانع الغزل والنسيج التركية تترنح أمام المنافسة الآسيوية. واليوم ازدهرت تلك الصناعة الواقعة تحت رحمة سياسات حصص الواردات التي تفرضها الدول الكبرى مثل أمريكا والاتحاد الأوروبي.

حزب العدالة والتنمية يفتخر بخفضه التضخم، وارتفاع الصادرات بنسبة 325% في العشر سنوات حتى 2012). إلا أن معظم تلك المؤشرات تم انجازهم في مطلع عهد أردغان. فبين 2002 و 2007 نما الاقتصاد التركي بمتوسط 6.8% سنوياً، ولكن منذ ذلك الحين أصبح النمو متقلباً. وفي العشر سنوات التالية، فإن معدل النمو تواضع إلى 3.5%. دخل الفرد يكاد لم يزد في السنوات الأربع (2012-2016). نفس الشيء يقال عن الصادرات. متوسط التضخم أصبح أعلى من هدف البنك المركزي في تسعة من العشر سنوات المؤدية إلى 2016.

يرجع جزء كبير من التباطؤ إلى تقلبات دورة الأعمال العالمية. حوالي 60% من التجارة التركية مع أوروپا، والتي تشكل أيضاً ثلاثة أرباع الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد. ولا ترجع الاضطرابات الاقتصادية التي شهدتها القارة مؤخراً إلى تركيا. ولا تعتبر الفوضى الواقعة في الشرق الأوسط، الذي كان في بداية عقد 2010، سوق التصدير الأسرع نمواً لتركيا. الكساد العميق في روسيا، المورد الأكبر للطاقة والسائحين وسوق الصادرات الزراعية، شهد أيضاً ضربة في توقعات النمو الاقتصادية. كما جعل الخلافات التركية الروسية فيما يخص الحرب الأهلية السورية الأمور أكثر سوءاً.

كانت الأحداث الخارجية الأخرى أكثر فائدة. فبفضل انخفاض أسعار النفط، انخفض العجز التركي بما يقارب 35 بليون في غضون 12 شهراً، الانخفاض الأكبر على مدار خمسة سنوات. ومع ذلك، فإن القروض المتراكمة لتمويل العجز الخارجي الكبير في الماضي قد تركت الاقتصاد عرضة للخطر. معظم الديون الخارجية لتركيا، وخاصة لشركاتها، بالدولار، مما جعل سدادها أكثر تكلفة مع انخفاض الليرة التركية.

من اقتصاد المحاسيب إلى اقتصاد المعرفة

 
المستقبل المتوقع: كئيب
مؤشر التصنيع لظروف الأعمال. تركيا. 50- لا تغير عن الشهر السابق.

كما يعاني الاقتصاد التركي من سلسلة المشكلات الداخلية المتنامية. الأنظمة المرهقة جعل من الصعب على الشركات الصغيرة أن تنمو بشكل أكبر وأكثر فعالية. المنتدى الاقتصادي العالمي، وضع تركيا في الترتيب 131 على قائمة بلدان العالم التي تضم 144 بلداً، من حيث كفاءة سوق العمل. يتفق معظم الاقتصاديين على أنه بدون اصلاح هيكلي أساسي، سيظل النمو الاقتصادي ضعيفاً.

تعد تركيا حالة كلاسيكية لما يطلق عليه الاقتصاديون: "مصيدة الدخل المتوسط": الصعوبة التي نواجهها عندما تحاول البلدان التي خرجت من الفقر مؤخراً أن تتحول إلى عضو في نادي البلدان الغنية. وقد تتعلم تلك البلدان، مثل تركيا، كيفية تجميع السيارات أو الغسالات، أو تعزيز الإنتاجي الزراعي، أو تعبئة رأس المال والعمالة، لكنهم يجدون صعوبة في إضافة قيمة من خلال البحث والتصميم والعلامات التجارية والتسويق. ووفقًا لبيانات البنك الدولي، فإن حصة السلع عالية التقنية في الصادرات التركية المصنعة ظلت عالقة عند 2٪ منذ عام 2002.

وقد وصف مارتن رايزر، الذي كان حتى وقت قريب مديرًا للبنك الدولي في تركيا، نوع التحول المطلوب على أنه التحول من اقتصاد "معرفة-من" إلى اقتصاد "معرفة-الكيف". المفتاح الرئيسي، كما يعتقد رايزر، هو تطوير مؤسسات قادرة على التكيف مع الأنظمة المتغيرة ويمكنها دعم النمو على المدى الطويل. هذا هو المكان الذي سقطت فيه تركيا. الاتصالات في كثير من الأحيان لا تزال تفوق الكفاءة. تهيمن الشركات القابضة الخاصة الكبيرة على العديد من القطاعات، حيث تضغط على الشركات الأصغر والأكثر ابتكارًا.

نحن لسنا في مصيدة الدخل المتوسط، نحن في مصيدة الاصلاح، كما تقول زمرد إمام أوغلو، كبيرة اقتصاديي TUSIAD، مركز أبحاث تموله كبريات الشركات الخاصة التركية. ترى أن حكومة حزب العدالة والتنمية تنحرف عن الأجندة التي تدعم النمو نحو برنامج يخدم المصالح الخاصة للحزب. ولذلك انهارت ثقة المستهلك في الشركات.

عندما انهار الاقتصاد التركي عام 2001، قدم البرنامج العلاجي مفروض من صندوق النقد الدولي انضباطًا مفيدًا، مما عزز آمال تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروپي. إن الازدهار الذي شهدته تركيا لاحقاً يرجع إلى ضوابط صارمة على الإنفاق الحكومي، وزيادة شفافية الموازنة، والمزيد من الاستقلال للبنك المركزي والتحرك نحو أسواق أكثر انفتاحًا وأفضل تنظيماً.

 
الليرة التركية تخسر 2% من قيمتها في يوم لتصل سعر الدولار 3.5935 ليرة. أردوغان يناشد المواطنين بيع الدولار واليورو. الحكومة ترفع سعر الفائدة ¼% وحلاق يعرض حلقة مجانية لكل من يريه وصل تحويل 300 دولار إلى ليرة. تجار المواشي بمحافظة آق سراي يحرقون أوراق العملة التركية، احتجاجا على ما يروه مؤامرة غربية ضد تركيا.[21]

وفي ورقة بحثية حديثة، يشير اقتصاديان تركيان، دارون عجم‌أوغلو من معهد مساتشوستس للتكنولوجيا ومراد أوجر من جامعة كوچ في اسطنبول، إلى أن حكومات العدالة والتنمية قد حافظت على انضباط موازنات يدعو للاعجاب، ومن جوانب أخرى، كانت ادارتها الاقتصادية أقل إثارة للإعجاب. "قد نجحت حكومة حزب العدالة والتنمية التي دعمت الانفتاح الاقتصادي تواجه صنيعتها ما إن أصبحت قوية بما فيه الكفاية" كما جاء في الورقة البحثية، " تكثفت السيطرة الشرعية والواقعية على الكادر الحاكم، مما زاد من الفساد واتخاذ القرارات بطريقة عشوائية لا يمكن التنبؤ بها".

وثمة كتاب يصدر في نهاية 2016، من تأليف إسراء گوراكار، من جامعة أوكان، بعنوان "سياسة المحاسيب في المشتريات العامة في تركيا"، يوضح هذه النقطة. وتقول الدراسة إن تبني قانون في عام 2001 لتنظيم المشتريات الحكومية أدى في البداية إلى تحسين الشفافية. ومع مرور الوقت، ازداد عدد استثناءات هذا القانون، وانكمشت حصة العقود العامة الممنوحة عن طريق المزادات المفتوحة. بحلول عام 2011 تم منح 44٪ من العقود الحكومية من قبل البيروقراطيين غير المسؤولين.

وقد عانت الشركات التي ليس لديها محاسيب في الحكومة. واحدة من أشهر تكتلات الانشاءات الناجحة في تركيا، بطلب دولي ودوران سنوي يصل إلى 6 مليار دولار لم تفز بأي عقد حكومي كبير في تركيا منذ تولي حزب العدالة والتنمية الحكم. يقول البعض أن السبب في هذا يرجع إلى اعتبارها قريبة من الحكومة الغربية الأمر الذي يثير جدلاً في الحزب. بالمثل، فإن الشركات العاملة في مجال الإعلام يتم حرمانها أيضاً من العقود الكبيرة إذا لم تسر على النهج. سعر السهم في دوگان القابضة، والتي تملك معظم الصحف والقنوات التلفزيونية المستقلة الباقية، انخفض بنسبة 16% بعد نشرها نتائج انتخابات نوفمبر.

إن الشركات التي لديها اتصالات جيدة، كما يقول منتقدو الحكومة، قد حققت نتائج جيدة، حيث لم تفز فقط بعقود حكومية مباشرة، بل امتازت بالوصول إلى الصفقات التي تشمل الأراضي المملوكة للدولة والحصول على إنذارات مبكرة بالتغييرات التنظيمية. ومثال على ذلك توكي، وكالة الإسكان المخفض المملوكة للدولة، والتي حولها حزب العدالة والتنمية إلى شريك لمطوري القطاع الخاص. "هي دائرة"، كما يقول الاقتصادي مصطفى صونمظ: "أعطيك أرضاً حكومية، تبني، نشارك، إنها الطريقة المثلى للفوز بالأصدقاء".

سليپ‌پاگ يعتبر أيضاً دليلاً على استقلال البنك المركزي التركي. يحظى البنك عمومًا باحترام كبير، لكنه في السنوات الأخيرة فشل في كبح التضخم، الذي يصل حالياً إلى ما يقارب 9%، أو منع الانهيار المتواصل في أسعار الليرة التركية، والتي بدأت في التهاوي منذ 2010. يلقي الكثير من الاقتصاديين ورجال الأعمال باللون على أردوغان، الذي ضغط على البنك علنياً من أجل إبقاء أسعار الفائدة منخفضة. في احدى المناسبات، اتهم أردوغان المحافظ، أردم باسكي، بأنه خائناً للأمة من أجل دعوته لرفع أسعار الفائدة.

الاستثمار الأجنبي المباشر، والذي وصل إلى ذروته، حوالي 22 بليون دولار في 2007، أخذ منحاً تنازلياً لم يصل إليه من قبل، موالي 12.5 بليون دولار في 2014 وكان من المرجح أن يظل على نفس المستوى حتى نهاية السنة. قامت الشركات الأجنبية بعمليات استحواذ كبرى في تركيا على مدار السنوات الأخيرة ولم تطلق أي مشروع كبير. قد يرجع هذا جزئياً إلى التقلبات السياسية، ضعف العملة، التضخم المرتفع نسبياً، الموقع القريب من الشرق الأوسط، وتساؤلات حول سيادة القانون في تركيا.

منذ نجاح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات، كانت هناك علامات مطمئنة جزئياً من قبل الحكومة. وهي ملتزمة بالفعل بالوعود الانتخابية المكلفة مثل الحد الأدنى للأجور وزيادة المعاشات التقاعدية والمزيد من الإنفاق الاجتماعي، كما تحدث الوزراء عن تعزيز الاستثمار في البنية التحتية لتعزيز النمو. ويشير أحد كبار مستشاري أردوغان إلى أنه في المستقبل قد يكون الحزب أقل حرصاً من الناحية المالية منه في الماضي، ويهدف إلى خلق المزيد من فرص العمل وزيادة القدرة التنافسية.

الأطراف خارج الاتحاد الأوروپي، مثل صندوق النقد الدولي، البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، بالإضافة للاقتصاديين ورجال الأعمال الأتراك، يقترحون أولويات مختلفة. إن وجود سياسة نقدية أكثر تشدداً من شأنها أن تعزز المدخرات واقلل التضخم، الأمر الذي سيكون له تأثيراً مفيداً على الاقتصاد. يجب أن تصبح أسواق العمل أكثر مرونة، ويجب توجيه التعليم بشكل أقرب لاحتياجاته. والأهم من ذلك كله أن النمو المستدام سيتطلب تغييراً في الموقف، يبدأ من أعلى.

أزمة العملة والديون التركية 2018


انظر أيضاً

الهامش

  1. ^ Pamuk, Şevket (2019). "Uneven centuries: Turkey's experience with economic development since 1820". The Economic History Review (in الإنجليزية). 72 (4): 1129–1151. doi:10.1111/ehr.12938. ISSN 1468-0289. S2CID 211406562.
  2. ^ Onder, Nilgun (1990). Turkey's experience with corporatism (M.A. thesis) Wilfrid Laurier University
  3. ^ (Turkey exhumes ex-President Ozal's remains)
  4. ^ Doktorlarının ve ailesinin ağır ihmalleri var in Zaman 2012-11-26
  5. ^ "Turkey - The Economy". Mongabay.
  6. ^ Feridun, Mete (2008) Currency crises in emerging markets: The case of post-liberalization Turkey. The Developing Economies, 46 (4). pp. 386-427. ISSN 1746-1049 (doi:10.1111/j.1746-1049.2008.00071.x)
  7. ^ Feridun, Mete (2009) Determinants of exchange market pressure in Turkey: An econometric investigation. Emerging Markets Finance and Trade, 45 (2). pp. 65-81. ISSN 1540-496X (doi:10.2753/REE1540-496X450204)
  8. ^ "Turkish Central Bank governor defends floating exchange rate". حريت. 2010-07-22.
  9. ^ Marois, Thomas (May 2011). "Emerging market bank rescues in an era of finance-led neoliberalism: A comparison of Mexico and Turkey". Review of International Political Economy. 18 (2): 168–196. doi:10.1080/09692290903475474.
  10. ^ "The Turkish Model of Government". Canadians for Justice and Peace in the Middle East. March 2012. Retrieved 28 July 2012.
  11. ^ "مبادرة الخصخصة في تركيا" (PDF) (in الإنگليزية). الأمم المتحدة. 2012-07-24.{{cite web}}: CS1 maint: unrecognized language (link)
  12. ^ Rodrik, Dani (20 June 2013). "How well did the Turkish economy do over the last decade". Retrieved 11 July 2013.[نشر ذاتي سطري?]
  13. ^ Central Intelligence Agency. "The CIA World Factbook 2015", Skyhorse Publishing, p. 753.
  14. ^ Holland, Ben; Bryant, Steve (10 November 2008). "Erdogan's IMF Aversion, Budget Raise Business Qualms". Bloomberg. Retrieved 1 February 2009.
  15. ^ "Turkey's flirting with IMF comes to an end". Hürriyet Daily News. 10 March 2010. Retrieved 10 March 2010.
  16. ^ "Turkish Central Bank reserves to brake a record". PortTurkey.com. 13 December 2013. Retrieved 2013-12-18.
  17. ^ Karatas, Nilgün (5 January 2010). "Enflasyon 2009'u 39 yılın 'dibinde' bitirdi" [2009 inflation finished at 39-year low]. Hürriyet (in Turkish). Retrieved 5 January 2010.{{cite news}}: CS1 maint: unrecognized language (link)
  18. ^ Benjamin Harvey (27 June 2012). "Erdogan Proving Right as Debt Ratings Go Unheeded: Turkey Credit". Bloomberg. Retrieved 30 July 2012.
  19. ^ "İstihdam 1.6 Milyon Kişi Arttı" [Employment increased by 1.6 million]. Milliyet (in Turkish). 17 August 2010. Retrieved 17 August 2010.{{cite news}}: CS1 maint: unrecognized language (link)
  20. ^ "Erdoganomics". الإكونومست. 2016-02-06.
  21. ^ Isobel Finkel (2016-12-02). "This Turkish Barber Has a Plan to Save the Plunging Lira". بلومبرگ.

وصلات خارجية