جيمس بوزويل

جيمس بوزويل James Boswell (ع. 29 اكتوبر 1740 - 19 مايو 1795) كان محامياً وكاتباً اسكتلندياً. اشتهر بكتابته سيرة صمويل جونسون، وقد دخل اسمه اللغة الإنجليزية (Boswell, Boswellian, Boswellism) للرفيق والمراقب الدائم.

جيمس بوزويل


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

نشأته

كان يجري في عروقه الدم الملكي. فأبوه ألكسندر بوزويل، سيد ضيعة أوخنلك في ايرشيز والقاضي بمحكمة إسكتلندة المدنية العليا، سليل لأيرل أران، وهو جد بعيد لجيمس الثاني ملك إسكتلندة. أما أمه فتحدرت من إيرل لفوكس الثالث، وكان جد اللورد دارنلي، الذي كان أبا جيمس السادس. وقد ولد جيمس بوزويل بإدنبرة في 29 أكتوبر 1740. وكان بوصفه أكبر أبناء ثلاثة الوريث لضيعة أوخنلك المتواضعة (وكان ينطقها آفليك)، ولكن بما أن أباه عمر حتى 1782، فقد كان عليه أن يظل غير قانع بما يجريه عليه اللورد من دخل. وأصيب أخوه جون في 1762 بأولى نوبات الجنون العديدة وكان بوزويل نفسه فريسة لنوبات من الوهم التمس الشفاء منها في غيبوبة الشراب ودفء أجساد النساء. وقد علمته أمه العقيدة الكلفنية المشيخية التي كانت تنبض بدفء تفردت به. وكتب في تاريخ لاحق يقول "لن أنسى ما حييت ساعات الخوف التعسة التي تحملتها في صباي نتيجة الأفكار الضيقة عن الدين، بينما كان عقلي يمزقه رعب جهنمي"(90). وكان طوال حياته كلها يتذبذب بين الإيمان والشك، وبين التقوى والانغماس في لذة الجنس. ولم يحقق قط أكثر من تكامل وقتي أو اطمئنان عابر.

وبعد أن تلقى الدروس في البيت فترة أرسل إلى جامعة إدنبرة، ثم إلى جلاسجو، حيث اختلف إلى محاضرات آدم سمث ودرس القانون. وفي جلاسجو التقى بالممثلين والممثلات وكان بعضهم كاثوليكياً. وبدا له أن مذهبهم أكثر من الكلفنية توافقاً مع الحياة المرحة، وأعجبته بوجه خاص عقيدة المطهر التي تسمح للخاطئ بالخلاص بعد بضع دهور من الحريق. فركب جيمس فجأة وانطلق إلى لندن (مارس 1760) وانضم إلى كنيسة روما.

وأرسل الأب المفزع إلى إيرل أجلنتن يناشده أن يرعى جيمس، وكان الرجل جاراً من جيرانه في إيرشير يسكن لندن. وقال لاليرال للشاب أنه ظل كاثوليكياً فلن يستطيع أبداً أن يمارس المحاماة، أو يدخل البرلمان، أو يرث أوخنلك. فنقل جيمس إلى إسكتلندة وكنيستها، وعاش تحت سقف أبيه وبصره، ولكن لما كان القاضي مشغولاً، فقد أفلح ابنه في أن يلتقط عدوى مرض سري"(91) وكانت أولى إصاباته الكثيرة بالمرض السري. وخاف الأب أن يبدد الفتى الطائش ميراث أوخنلك على اللهو والعربدة حين يرثها، فأقنعه لقاء راتب سنوي قدره مائة جنيه بأن يوقع وثيقة يكل بمقتضاها إدارة التركة مستقبلاً لأوصياء يعينهم بوزويل الأب.

وفي 29 أكتوبر 1761 بلغ جيمس سن الرشد، فضوعف راتبه السنوي. وفي مارس التالي حبلت منه بجي دويج، وفي يوليو جاز امتحان المحاماة. وفي أول نوفمبر 1762 انطلق إلى لندن بعد أن ترك لبجي عشرة جنيهات (وقد ولدت طفلها بعد بضعة أيام، ولكن بوزويل لم يره قط).

واتخذ له في لندن غرفة مريحة في داوننج ستريت. ولم يأت الخامس والعشرون من نوفمبر حتى شعر أنه "تعس حقاً لافتقاره إلى النساء"(92)، ولكنه تذكر مرضه المعدي، ثم إن "أتعاب الجراحين في هذه المدينة باهظة"(93). وعلى ذلك تجلد لحياة العفة "حتى أعثر على فتاة مأمونة، أو تحبني امرأة من نساء المجتمع العصري"(94). وكان انطباعه عن لندن أنها تقدم كل لون من ألوان الغواني، "من السيدة الفخمة التي تتقاضى خمسين جنيهاً في الليلة إلى الحورية اللطيفة.... التي تسلم شخصها الجذاب لشرفك لقاء كوب من النبيذ وشلن واحد"(95). واتصل بـ "ممثلة مليحة" تدعى لويزة، بدا له أن تمنعها الطويل يشهد بنظافتها الصحية. وأخيراً أغراها، وحقق نشوة مخمسة، "وقد صرحت بأنني أعجوبة"(96). وبعد ثمانية أيام اكتشف أنه أصيب بالسيلان. وفي 27 فبراير شعر أنه شفي، وفي 25 مارس التقط مومساً من عرض الطريق و "باشرها وهو مدرع" (بكيس واق). وفي 27 مارس "سمعت صلاة في كنيسة سانت ونستن" وفي 31 مارس "تمشيت في هايديارك وأخذت أول بغي لقيتها"(97)وتسجل "يومية لندن" التي خلفها بوزويل أمثال هذه المغامرات خلال الشهور الأربعة التالية-في جسر وستمنستر، وفي حانة "هد تافرن" التي كان يرتادها شكسبير، وفي هايد بارك، وفي حانة على الستراند، وفي محاكم التمبل، وفي بيت الفتاة. وهذا بالطبع ليس إلا جانباً واحداً في صورة رجل، وحشد هذه الأحداث المتفرقة في فقرة واحدة يعطي انطباعاً خاطئاً عن حياة بوزويل وخلقه. أما الجانب الأخر فهو "حبه الحار لعظماء الرجال"(98). وأول صيد له في هذا كان جاريك، الذي استطاب مدائح بوزويل وأحبه لتوه. ولكن جيمس كان يتطلع إلى الذرى الشامخة. وكان قد سمع في إدنبرة توماس شريدان يصف لوذعية صموئيل جونسن وحديثه الدسم. فقال لنفسه إن لقاء هذا القمة في حياة لندن الأدبية سيكون "ضرباً من المجد".

وأعانته الصدفة على ما ينشد. ففي 16 مايو 1763 كان بوزويل يشرب الشاي في مكتبة الكتبي توماس ديفز بشارع رسل، وإذا "رجل ذو مظهر رهيب جداً" يدخل المكتبة. وتبين بوزويل شخصه من لوحة كان قد رسمها رينولدز لجونسن. فرجا ديفز ألا يبوح بأن وطنه إسكتلندة، ولكن ديفز باح بالسر "في خبث" للفور. ولم يفت جونسن لأن يلاحظ أن إسكتلندة بلد طيب يقدم منه الإنسان. وجفل بوزويل. ثم شكا جونسن من أن جاريك ضن عليه بتذكرة مجانية للآنسة وليمز لتحضر تمثيلية معروضة، وتجاسر بوزويل على أن يقول "سيدي، لست أستطيع الاعتقاد بأن مستر جاريك يضن عليك بمثل هذا الشيء التافه." وهنا انقض جونسن عليه بقوله "سيدي، لقد عرفت ديفد جاريك زمناً أطول مما عرفته، ولست أرى لك حقاً في أن تكلمني في هذا الأمر". ولم يكن في هذا الجواب ما يبشر بصحبة مديدة. و "صعق" بوزويل و "أحس بالخزي"، ولكن بعد مزيد من الحديث "اقتنعت بأنه وإن كان في مسلكه خشونة، إلا أنه ليس في طبعه لؤم"(99). وبعد ثمانية أيام، وبتشجيع من ديفز وبدعم من جرأته الصفيقة، قدم بوزويل نفسه لجونسن في شقته بالأنر تمبل، فاستقبله في تلطف أن لم يكن في ظرف كثير. وفي 25 يونيو تعشى الدب والشيل معاً بحانة الميتر في فليت ستريت "كنت فخوراً جداً بفكرة وجودي معه" وفي 22 يوليو "خصصت لنا-أنا ومستر جونسن-غرفة في مشرب تيركس هد" ثم كتب بوزويل في يوميته "بعد هذا سأكتفي بتسجيل الذكريات الخاصة بمستر جونسن، والجديرة بالتسجيل، كلما طفت في ذاكرتي"(100)وهكذا بدأت هذه السيرة الرائعة. ولما رحل بوزويل إلى هولندا (6 أغسطس 1763) ليدرس القانون استجابة لإلحاح أبيه، كان انسجام الأستاذ وتلميذه عظيماً حتى لقد رافق جونسن ذو الثالثة والخمسين بوزويل ذا الاثنين والعشرين إلى هاروبتش ليودعه عند رحيله.


بوزويل خارج بريطانيا

استقر به المقام في اوترخت، حيث درس القانون، وتعلم الهولندية والفرنسية، وقرأ كل كتاب فولتير "في الأعراف" (كما يقول). وقد عانى أول الأمر من نوبة اكتئاب قاسية، ووبخ نفسه على كونه زير نساء حقيراً، وفكر في الانتحار. وألقى اللوم في فجوره الأخير على فقده إيمانه الديني. "كنت مرة كافراً"، وسلكت مسلك الكافرين؛ أما الآن فأنا جنتلمان مسيحي"(101). ووضع لنفسه "خطة محكمة" لإصلاح ذاته: فهو عازم على إعداد نفسه للقيام بواجبات اللورد الاسكتلندي" وعلى أن "يكون وفياً لكنيسة إنجلترا"، وأن يلتزم بالقانون الأخلاقي المسيحي "حذار من أن تتحدث عن نفسك" بل "إحترم نفسك... وستكون على العموم شخصية ممتازة"(102).

ثم استعاد اهتمامه بالحياة حين وحد قبولاً في بيوت سراة الهولنديين. فكان في زيه الآن "القرمز والذهب،... والجوارب الحريرية البيضاء، والخفان الجميلان... ومنديل برشلوني، وعلبة أنيقة لخلة الأسنان"(103)وعلق قلبه بإيزابيللا فان تويل، التي كان المعجبون بها يلقبونها "حسناء زويلن" و "زليدة" أيضاً، وقد نوهنا من قبل عنها واحدة من نساء كثيرات لامعات في هولندا ذلك الجيل. ولكنها عزفت عن الزواج، وأقنع بوزويل نفسه بأنه قد رفضها. ثم جرب حظه مع مدام جيلفنك، الأرملة الحسناء، ولكنه ألفاها "لذيذة حصناء"(104). وأخيراً "صممت على القيام برحلة إلى أمستردام واصطياد فتاة". فلما أن بلغها "ذهبت إلى ماخور... وآذى شعوري أن أجدني في مهاوي الفجور الوضيع" وفي الغد "ذهبت إلى كنيسة واستمعت إلى عظة حسنة... ثم تجولت مخترقاً المواخير الحقيرة في أزقة قذرة"(105). واستعاد "كرامة الطبيعة الإنسانية" حين تسلم من صديق خطاب تقديم إلى ڤولتير.

وكان قد وفى بوعده لأبيه بأنه سيدرس بجد في أوترخت؛ لذلك تلقى منه الإذن والمال للرحلة الكبرى المألوفة التي يتوج بها الجنتلمان الإنجليزي الشاب تعليمه. فودع زليدة، وبالطبع كان في عينه دموع الحب، وفي 18 يونيو 1764 عبر الحدود إلى ألمانيا. وظل قرابة عامين بعدها يراسلها ويبادلها الثناء والنقد. وكتب من برلين في 9 يوليو يقول:

"بما أننا قد رفعنا الكلفة فيما بيننا تماماً يا زليدة، فيجب علي أن أقول لك أن في قدراً من الغرور... يكفي لتخيلي أنك كنت حقاً تحبينني... وأن في من الأريحية ما يسمح لي بتجنب خديعتك... فلست أود الزواج منك لأكون ملكاً... فلا بد لزوجتي من أن تكون شخصية مناقضة تماماً لعزيزتي زليدة، إلا في الحب، والأمانة، ولطف الطبع"(106).

ولم تجب. فعاود الكتابة في 1 أكتوبر، مؤكداً لها أنها تحبه؛ ولك تجب. فعاود الكتابة مرة أخرى في 25 ديسمبر.

"أيتها الآنسة، أنني رجل متكبر، وسأظل كذلك أبداً. وينبغي أن تفخري بتعلقي بك. ولست أعلم إن كان ينبغي أن أكون فخوراً بالمثل بتعلقك بي. أن الرجال الذين يملكون قلوباً وعقولاً مثلي نادرون. أما المرأة الكثيرة المواهب فليست بهذه الندرة... وقد تستطيعين أن توافيني بتفسير لمسلكك معي"(107).

أما ردها فيستحق أن يفرد له مكان في تاريخ المرأة. قالت:

" تلقيت رسالتك بفرح وقرأتها بشعور العرفان... وكل تعبيرات الصداقة تلك، ولكل تلك الوعود بالود الأبدي وبالذكرى الرقيقة أبداً، والتي خلصت إليها (من كلامها السابق له)، يعترف بها قلبي ويجددها في هذه اللحظة... وقد واصلت تكرار القول... بأنني كنت عاشقة لك... وأنت تصر على أن أعترف بهذا. وقد صممت على أن تسمعني أقوله وأردده. وأنني لأجد هذا نزوة في غاية الغرابة من رجل لا يحبني ويراه لزاماً عليه (بدافع اللياقة) أن يقول لي هذا بأصرح العبارات وأقواها... وقد صدمني وأحزنني أن أجد، في صديق كنت أتصوره رجلاً صغير السن موفور التمييز، والغرور المراهق الذي يتصف به أحمق مأفون.

"يا عزيزي بوزويل، لست مسئولة إطلاقاً عن أنه لم يحدث في أي لحظة أن اضطرم في صدرك حديثي أو لهجتي أو نظرتي. فإذا كان هذا قد حدث، فإنسه... ولكن لا تنسى ذكرى الأحاديث الكثيرة التي تبادلناها حين كان كلانا خلي البال كصاحبه: فكنت أنا مغتبطة جداً بتوهمي في غرور أنك متعلق بي، وكنت أنت سعيد بالمثل بأن تعدني صديقة-وكأن المرأة الكثيرة المواهب شيء نادر.. أقول احتفظ بهذه الذكرى، وثق بأن لك حناني، وتقديري، بل أقول واحترامي، على الدوام"(108).

وقد أدبت بوزويل هذه الرسالة تأديباً عابراً؛ فلزم الصمت عاماً. ثم كتب (16 يناير 1766) من مارس إلى زليدة يطلب يدها "ألا يكون مؤسفاً ألا يتحقق ارتباط سعيد كهذا؟"(109). ورد الوالد بأن زليدة تنظر في عرض آخر. وبعد عام أرسل إليها بوزويل عرضاً مباشراً. فأجابت، قرأت عبارات إعزازك المتأخرة بسرور، وبابتسامة. حسناً، إذن فقد أحببتني مرة"(110) -ثم رفضت عرضه.

وبينما كانت لعبة المراسلة هذه دائرة كان بوزويل قد جرب الكثير من الأقطار والنساء. ففي برلين شهد فردريك على ساحة العرض، ولكنه لم يره أقرب من ذلك. وصحب إلى فراشه بائعة شوكولاته حبلى بدت له مرفأ سليماً. وفي ليبزج التقى بجيلبرت وجوتشيد، وفي درسدن زار "قاعة الصور الفخمة التي قيل لي إنها ارفع مثيلاتها في أوربا"(111). ثم هبط إلى سويسرا بطريق فرانكفورت وماينز وكارلسروهي وستراسبورج. وقد رافقناه من قبل في زيارته لروسو وفولتير. وفي تلك الأيام المجيدة أخمدت هالة العبقرية وحمى الشهرة شهوة الشباب.

وفي أول يناير 1765 غادر جنيف ليعبر الألب. وأنفق تسعة شهور مبهجة في إيطاليا، ورأى كل مدينة كبيرة، وذاق طعم الأنثى في كل وقفه، وفي روما سعى للقاء فنكلمان، ولثم قدم البابا في خفها، وصلى في كاتدرائية القديس بطرس، والتقط عدوى مرضه المعضل من جديد. وارتقى فيزوف مع جون ولكس. وفي البندقية قاسم اللورد مونتستيوارت (بن ايرل بيوت) محظيته، وجدد إصابته بمرضه القديم. وخلال شهر قضاه في سيينا تودد إلى يورتسيا سانسدوني، خليلة صديقه مونتستيوارت، وحثها على ألا تسمح لأي عاطفة وفاء بأن تعترض كرمها، لأن "سيدي اللورد في فطرته ما لا يجعل الوفاء خلة يقدر على التحلي بها أو يتوقعها منك"(112).

على أن جانبه الأنبل تجلى في مأثرته التالية. فقد استقل مركباً من ليفورنو إلى كورسيكا (11 أكتوبر 1765). وكان باولي قد حرر الجزيرة من سلطان جنوده في 1757 وله ثماني سنوات في حكم الدولة الجديدة. والتقى به بوزويل في سوللاكارو، وقدم إليه رسالة تعريف من روسو. وقد ظن به التجسس أول الأمر "ولكني سمحت لنفسي بأن أطلعه على مذكرة كتبتها في المزايا التي تحققها بريطانيا العظمى من تحالف تبرمه مع كورسيكا"، وبعدها كان يتغذى بانتظام مع الجنرال(113). وقد دون الكثير من الملاحظات التي أفادها بعد ذلك في كتابه "وصف كورسيكا" (1768). وغادر الجزيرة في 20 نوفمبر، وسافر في محاذاة الرفيرا إلى مارسيليا. وهناك وافاه "قواد طويل القامة مهذب" بفتاة "أمينة، مأمونة، نزيهة"(114).

وفي أكس-أن-بروفانس بدأ يوافي "اللندن كرونكل" بفقرات أنباء تنشر في طبعات متلاحقة ابتداء من 7 يناير 1766، أعلمت الجمهور البريطاني بأن جيمس بوزويل يمد إنجلترا بمعلومات مباشرة عن كورسيكا فلما وصل إلى باريس (12 يناير) أتاه نبأ من أبيه بأن أمه ماتت. وقد تكفل بمصاحبة صديقة روسو، تريز لفاسير، إلى لندن؛ وقد أسلمت نفسها له في الطريق أن كان لنا أن نصدق روايته. وتلبث في لندن ثلاثة أسابيع. ورأى جونسن في مناسبات عدة، وأخيراً مثل أمام أبيه في إدنبرة (7 مارس 1766). وكانت فترة السنوات الثلاث والشهور الأربعة التي قضاها في الاستقلال والرحلة قد أعانت على إنضاجه. صحيح أنها لم تضعف من شهوته أو من غروره، ولكنه وسعت معارفه وأفقه، وأعطته اتزاناً وثقة بالنفس جديدين، وأصبح الآن يلقب "بوزويل الكورسيكي"، رجلاً تغدى مع باولي، عاكفاً على تأليف كتاب قد يدفع بإنجلترا إلى مديد العون إلى ذلك المحرر وجعل الجزيرة حصناً بريطانياً في بحر استراتيجي.

بوزويل في وطنه

د. صمويل جونسون - مؤلفجيمس بوزويل - كاتب تراجمسير جوشوا رينولدز - مضيفديڤيد گاريك - ممثلإدموند بـِرك- رجل دولةپاسكواله پاولي - إستقلالي كورسيكيتشارلز برني - مؤرخ موسيقيتوماس وارتون - شاعراوليڤر گولدسميث - كاتبغالباً ''The Infant Academy'' (1782)صورة زيتية غير معروفةپورتريه غير معروفخادم - غالباً وريث د. جونسوناستعمل الأزرار للتكبير أو استعمل الوصلات على أجزاء الصورة 
حفل أدبي في منزل السير جوشوا رينولدز, 1781, يظهر في الصورة صمويل جونسون وأعضاء "النادي" – استخدم الفأرة للتعرف عليهم.

في 29 يوليو 1766 رخص له بالاشتغال بالمحاماة في إسكتلندة، وتركزت إقامته طوال السنين العشرين التالية في ادنبرة، وتخلل ذلك غزوات كثيرة للندن، وواحدة لدبلن. وربما أعانه منصب أبيه قاضياً، ولكن أعانته أيضاً سرعة بديهته في النقاش، فكثر زبائنه، و "ربح خمسة وتسعين جنيهاً" في أول شتاء ترافع فيه أمام المحاكم(115). وخالط السخاء المفرط تقديره لنفسه، فكان يدافع عن أفقر المجرمين، ويبدد بلاغته المنمقة على أشخاص إجرامهم واضح، ويخسر معظم قضاياه، وينفق كل أتعابه على الشراب، ذلك بأنه بعد تلك الشهور المشمسة التي قضاها في إيطاليا أحس بشتاء إسكتلندة يفري عظمه، ولم يبد أن هناك دواء لهذا البرد إلا الكحول.

ثم أنه واصل تشرده الجنسي. فاتخذ له خليلة تدعى المسز دورز، وإستكمالاً لخدماتها "كنت أنام الليل كله مع... فتاة من عرض الطريق" وسرعان ما "اكتشفت أني ابتليت بعدوى المرض"(116)وبعد ثلاثة أشهر، وفي دوار الخمر، "ذهبت إلى ماخور، وأنفقت ليلة كاملة بين ذراعي بغي... وكانت فتاة رائعة، قوية، مرحة، بغياً جديرة ببوزويل، إن كان لا بد لبوزويل من بغي"(117)وأصابته عدوى أخرى. وكان واضحاً أن الزواج هو السبيل الأوحد لإنقاذه من التدهور البدني والأخلاقي. فتودد إلى كاترين بلير، ولكنها رفضته. ثم وقع في غرام ماري آن بويد، وكانت صبية إيرلندية لها جسم إغريقي وأب غني. وتبعها إلى دبلن (مارس 1769)، وفقد غرامه في الطريق، وسكر، وألم ببغي إيرلندية، وأصيب مرة أخرى بمرض سري(118).

وفي فبراير 1768 دفع إلى المطبعة بمخطوط "تاريخ لكورسيكا، يوميات رحلة إلى تلك الجزيرة، ومذكرات باسكال باولي"، وأثارت خيال إنجلترا مناشدته بريطانيا لمد يد المعونة لباولي، وأعدت الرأي العام للموافقة على الإجراء الذي اتخذته الحكومة البريطانية بعد ذلك لإرسال السلاح والمؤن سراً إلى الكورسيكيين. وبيع من الكتاب عشرة آلاف نسخة في إنجلترا، وترجم إلى أربع لغات، وأكسب بوزويل من الصيت الذائع في القارة ما لم يظفر به جونسن. وفي 7 سبتمبر 1769 ظهر المؤلف في مهرجان شكسبير بستراتفورد مرتدياً زي زعيم قبيلة كورسيكي، وعلى قبعته كتبت عبارة "بوزويل الكورسيكي"، وكان هذا لحفلة رقص تنكرية، لذلك لم يكن يستحق تماماً ما لقي من هزء وسخرية.

وكانت ابنة خاله مرجريت مونجومري ثد صحبته إلى إيرلندة، واحتملت في وداعة مغازلاته وعربدته الإيرلندية. وكانت تكبره بسنتين، ولم يكن في مهرها البالغ 1000 جنيه ما يجعلها زوجة كفوءاً لوريث أوخنلك (كما أكد بوزويل الأب)، ولكن حين تأمل محبتها الصابرة لاح له أنها امرأة صالحة ستكون زوجة صالحة، ثم اشتهاره بالفسق والسكر حد مجال اختياره. وكان القاضي نفسه يفكر في الزواج، مما يضع زوجة الأب بين الوالد والولد، وقد يبدد شطراً من التركة. والتمس بوزويل من أبيه ألا يتزوج، ولكن الأب أصر، فتشاجرا، وفكر بوزويل في الذهاب إلى أمريكا، وفي 20 يوليو 1769 كتب إلى "بجي" مونجومري يعرض عليها الزواج والذهاب معه إلى أمريكا والعيش على جنيهاتها المائة في العام وعلى فائدة جنيهاتها الألف. وأنذرها بأنه عرضة لنوبات من الاكتئاب. وردها (22 يوليو) جدير بالتنويه:

"أنعمت التفكير، كما أردت، وأنا... أقبل شروطك... أن ج.ب. بجنيهاته المائة في العام هو في نظري غالي القيمة تماماً كما لو كنت أملك ضيعة أوخنلك... ولما كنت خلواً من الطمع، فإنني أوثر السعادة الحقة على مظهرها الفخم... فثق يا عزيزي جيمي أن لك صديقة على استعداد لبذل كل شيء في سبيلك، صديقة لم تشته قط الثروة إلا لتمنحها للرجل الذي ملك قلبها"(119).

وفي 19 نوفمبر تزوج الأب، وفي 25 نوفمبر تزوج الابن. وأقام الزوجان الشابان بيتاً خاصاً بهما، وفي 1771 استأجرا شقة من ديفيد هيوم. وكافح جيمس للإقلاع عن السكر، وجد في عمله محامياً، وسعد بالأطفال الذين ولدتهم له زوجته. ويبدو أنها صدت تودده الزوجي خلال الشهور الأخيرة من حملها المتكرر. ففي 27 أكتوبر 1772 ذهب إلى مومس بعد أن "أفرط في شرب النبيذ"(120). وقد التمس لنفسه العذر بحجة أن التسري أجازته التوراة. ثم عاد إلى الشراب، وأضاف إليه القمار. جاء في يومياته بتاريخ 5 أكتوبر 1774 "شربت حتى ثملت" وفي 3 نوفمبر "شرب كثيرون منا من الغداء حتى العاشرة ليلاً" وفي 4 نوفمبر "سكرت جداً... وقعت على الأرض بعد عنف كثير" وفي 8 نوفمبر "سكران مرة أخرى" وفي 9 نوفمبر "كنت مريضاً جداً، ولم أستطع مغادرة الفراش حتى الساعة الثانية تقريباً" وفي 24 نوفمبر: "كنت سكران جداً... مكثت أكثر من ساعة مع مومسين في مسكنها على سلم قذر ضيق في حي بو. ووجدت طريقي إلى بيتي حوالي الثانية عشرة. لقد سقطت"(121). وغفرت له زوجته، وبذلت له العناية في أمراضه.

وكان لشربه الخمر أسباب كثيرة: كثرة قضاياه الخاسرة في المحاماة، والعنت الذي لقيه في علاقته بأبيه، وخزيه من خيانته الزوجية وشعوره بأنه لم يحقق أحلام غروره، واشمئزازه من الحياة في إسكتلندة. وألف أن يهرب إلى لندن كل سنة تقريباً، ومن جهة ليترافع في قضايا له هناك، ومن جهة أخرى ليستمتع بحديث جونسن، ورينولدز، وجاريك، وبيرك. وفي 1773 سمح له بالانضمام إلى "النادي". وفي خريف ذلك العام جاب شوارع إدنبرة في فخر وإلى جواره الدكتور جونسن، توطئة لرحلتهما إلى جزر الهبريد.

وظل في رحلاته اللندنية هذه أول الأمر وفياً لزوجته، وكان يكتب إليها في شغف، ولكن ما وافى عام 1775 حتى كان استأنف إيثاره للعربدة الجنسية. وقد اشتد انشغاله بها حوالي نهاية مارس 1776 يقول "فلما نزلت إلى الشارع ركبتني شهوة الفسق، ففكرت في أن أخصص لها ليلة". ولكن التخصيص امتد عدة ليال. "فكرت في زوجتي الغالية بأعظم احترام وأحر محبة، ولكن ساورتني فكرة مشوشة بأن اتصالي الجسدي بالعاهرات لا يمس حبي لها بسوء"(122). ورده إلى رشده مرض سري جديد.

وقد جرت عليه هذه المغامرات، وتبعيته لجونسن، تعليقات ملؤها الازدراء من رجال كهوراس ولبول، ونقداً لاذعاً (بعد موته) من ماكولي(123)، ولكنها لم تتركه بغير صديق. "إن اتصافي بالكفاءة وكثرة المعارف يجعل الناس مغرمين بكسب مودتي"(124)وكان أكثر اللنديين يوافقون بوزويل على أنه ليس لامرأة الحق في رجل بأكمله. وإذا كان رجال كجونسن ورينولدز قد أحبوه، وإذا كانت بيوت لندنية كثيرة قد فتحت له أبوابها، فلا بد أن كان يملك الكثير من السجايا المحببة. وقد عرف هؤلاء الرجال ذوو البصيرة الثاقبة أنه كان يتنقل من امرأة لأخرى، ومن فكرة لفكرة، تنقل المسافر المستعجل، يخدش سطوحاً كثيرة دون أن ينفذ إلى لباب الأشياء، ودون أن يشعر قط بالروح المرضوضة وراء لحم الضحية. وقد عرف هو أيضاً هذه الحقيقة فقال "أن لي في الحق عقلاً صغيراً مع كل كبريائي، وما أشبه بالوشي على الشاش"(125). "أن في أفكاري كلها نقصاً، وسطحية، ولست أفهم شيئاً بوضوح، وإلى القاع. فأنا ألتقط الشظايا، ولكني لست أملك في ذاكرتي كتلة كاملة ذات كبر أياً كان"(126).

ولكن تلك الشظايا وتلك الذاكرة، هي التي كفرت عنه، فقد عوض عن عيوبه بعبادته لذلك التفوق، الذي لم يستطع تحقيقه لنفسه، في الآخرين؛ بملازمتهم في تواضع، يتذكر كلماتهم وأفعالهم، وأخيراً، وببراعة عظيمة، بوصفها في ترتيب وفي ضوء ألفا صورة لا تباري لرجل ولعصر. وليت القناع لا يمزق عنا أبداً-عن أجسادنا وعقولنا، عن شهواتنا الدفينة وغرورنا الذي لا يني-مثل ما أمعن هذا الرجل، نصف التابع الخانع ونصف العبقري، في الكشف عن نفسه للأجيال القادمة.

المصادر

أعماله

يوميات منشورة

  • Purdie, D.W. (2002). The Maladies of James Boswell, Advocate. Journal of the Royal College of Physicians of Edinburgh 32, 197-202.
  • Clarkson, Thomas (1808). The History of the Rise, Progress, and Accomplishment of the Abolition of the African Slave-Trade by the British Parliament.
  • Boswell, James (1791). No Abolition of Slavery; or the Universal Empire of Love
  • A Short Biographical Dictionary of English [1]


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وصلات خارجية

  اقرأ اقتباسات ذات علاقة بجيمس بوزويل، في معرفة الاقتباس.