كارل السادس، الامبراطور الروماني المقدس

شارل السادس Charles VI (عاش اكتوبر 1685 - 20 اكتوبر 1740) كان السيد قبل الأخير على امبراطورية هابسبورگ. وقد خلف أخاه الأكبر، يوسف الأول، كامبراطور روماني مقدس، ملك بوهميا، كرواتيا والمجر، أرشدوق النمسا، إلخ.، في 1711. وقد طالب، بدون نجاح، بعرش اسبانيا، كشارل الثالث، في أعقاب وفاة حاكمها، قريبه، شارل الثاني من اسبانيا، في 1700. وقد تزوج إليزابث كرستين من برونزڤيك-ڤولفن‌بوتل، التي أنجبت له طفلاه: ماريا تريسا، في عام 1717، آخر سادة هابسبورگ، وماريا آنا، المولودة في 1718، حاكمة هولندا النمساوية.

كارل السادس
Charles VI
Johann Gottfried Auerbach 004.jpg
كارل السادس في الزي الرسمي لمرتبة الوبر الذهبي
الامبراطور الروماني المقدس؛
ملك الرومان (ملك ألمانيا)
العهد12 أكتوبر 1711 - 20 أكتوبر 1740
التتويج22 ديسمبر 1711، فرانكفورت
سبقهيوزف الأول
تبعهكارل السابع
ملك المجر، كرواتيا وبوهيميا
أرشدوق النمسا
العهد17 أبريل 1711 - 20 أكتوبر 1740
التتويج22 مايو 1712، پرس‌بورگ
5 سبتمبر 1723، پراگ
سبقهيوزف الأول
تبعهماريا تريزا
الدفن
Kapuzinergruft، ڤيينا
الزوجElisabeth Christine of Brunswick-Wolfenbüttel
الأنجالماريا تريزا، الامبراطورة الرومانية المقدسة
الأرشدوقة ماريا آنا
الاسم الكامل
Karl Franz Joseph Wenceslau Balthasar Johann Anton Ignatius
البيتآل هابسبورگ
الأبليوپولد الأول، الامبراطور الروماني المقدس
الأمإليونوره-ماگدالينه من نوي‌بورگ
التوقيعتوقيع كارل السادس Charles VI


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

سيرته

 
حفل تتويج كارل السادس في فرانكفورت على الماين في عام 1711

ارتقى كارل الهابسبورجي (1711) عرش "الأمبراطورية الرومانية المقدسة" وتسمى كارل السادس. وكان رأي فولتير في هذه الدولة أنها لا تملك واحدة من هذه الصفات الثلاث، ولكنها لا تزال إمبراطورية، تكسوها مهابة تسعة قرون. وضمت هذه الدولة التي حكمت من فيينا حكماً واهناً النمسا، والمجر، وبوهيميا (تشكوسلوفاكيا) واستراليا، وكارنثيا، وكارنيولا، والتيرول؛ وفي 1715 بسطت سلطانها على الأراضي المنبسطة الإسبانية السابقة، التي نعرفها الآن باسم بلجيكا، ولم تكن الدويلات الألمانية فيها خاضعة للإمبراطور إلا بالاسم، أما المدن الحرة الألمانية فقد اعترفت بسلطته في شئونها الخارجية، وكانت بوهيميا الآن في اضمحلال، فقد أشاع فيها الفوضى التعصب الديني واستغلال الملوك الغائبون عن أرضها وأكثرهم يتكلمون لغة أجنبية، أما المجر فكانت قد عانت من كونها أهم منطقة للصراع ين المسيحيين والعثمانيين، عبرها أكثر من عشرة جيوش واستهلكوها؛ وتقلص عدد سكانها، واستشرت الفوضى في حكومتها. ورفضت طبقة من النبلاء كبيرة العدد حربية النزعة، لم تعد مجرية الجنس إلا في قسم منها، أن تدفع الضرائب الإمبراطورية، وكرهت الحكم النمساوي. ولم يكن يملك أرضاً في المجر سوى النبلاء والكنيسة، فقسماها ضياعاً شاسعة يفلحها الأقنان، وجنيا منها الدخول التي بنيا بها كبار الأديار والقلاع والقصور، ورعيا الموسيقى والفن. وكان بعض النبلاء يمتلك خمسين ألف فدان للواحد، وكانت أسرة استرهازي تملك سبعة ملاين فدان(2).

أما النمسا نفسها، اكبر المستفيدين في الإمبراطورية، فكانت تنعم بالرخاء. فبينما لم يزد سكان المجر على مليونين، بلغ سكان النمسا زهاء 6.100.000 في 1754 زادوا إلى 8.500.000 في 1800. وفيها هي أيضاً كانت الأرض ملكاً للنبلاء أو الأكليروس يفلحها الأقنان؛ وقد عمرت القنية في النمسا حتى 1848. وكان شأن الضياع فيها شأنها في إنجلترا يحتفظ بها ملوكها كاملة بحق البكورة، الذي يقضي بأن تورث الأرض كلها للابن البكر، أما الأبناء الأصغر منه فيعوضون بوظائف في الجيش، أو الكنيسة، أو الإدارة؛ وهكذا بلغت حاشية الإمبراطور شارل السادس أربعين ألفاً، ولم يكن في النمسا طبقة وسطى غنية تتحدى سلطان الأرستقراطية الطاغي أو تخفف من دمها الأزرق. وكانت الزيجات مسألة بروتوكول. وأبيحت الخليلات والعشاق بقانون غير مكتوب، على ألا يجاوز هذا نطاق الطبقة. وقد كتبت الليدي ماري مونتاگيو من ڤيينا في 1716، ربما بما يعهد في الرحالة من مبالغات، فقالت:

 
الامبراطورة إليزابث كرستين، بريشة C.B. Francke, 1712

"من العادات الراسخة أن يكون لكل سيدة نبيلة زوجان، إحداهما حامل الإسم والآخر القائم بالواجبات، وهذه الارتباطات معروفة جداً حتى أن القوم يعدونها إهانة صريحة تشجب علناً أن تدعو امرأة من علية القوم إلى الغداء دون أن تدعو في الوقت ذاته تابعيها هذين... العشيق والزوج اللذين تجلس هي بينهما رسمياً في وقار شديد... والمرأة تتطلع إلى عشيق حالما تتزوج باعتباره جزءاً من حاشيتها(3)."

وكانت الطبقة الأرستقراطية، في جميع أرجاء هذه الدولة التي كانت تتحول الآن إلى إمبراطورية نمساوية-مجرية تعمل ويدها في يد الكنيسة. ولعل النبلاء تقبلوا اللاهوت الكاثوليكي في شئ من التحفظ والارتياب، وكان العديد منهم ماسونا(4). ولكنهم سخوا شاكرين على دين أعان بمثل هذه السماحة أقفانهم وبناتهم المجردات من المهور على الرضى بنصيبهم في هذه الدنيا تعللاً بالآخرة. وكان تنوع العقائد كفيلا بتشويش هذه العملية لو أبيح لأنه مفض إلى الجدل والشك، أما التسامح الديني فهو ولا ريب من خطل السياسة. وقد جعل فيرميان رئيس أساقفة سالزبورج الحياة في رئاسة أسقفيته عسيرة على البروتستنت عسراً حمل ثلاثين ألفاً منهم على الهجرة، فنزح معظمهم إلى بروسيا (1722-23)(5) حيث شدوا من أزر عدو النمسا الصاعد. كذلك أسهمت هجرات أو حركات طرد مماثلة من بوهيميا في الاضمحلال الاقتصادي لتلك الدويلة التي كانت يوماً ما تعتز باستقلالها، وعملت على تقدم ألمانيا البروتستنتية.

وشارك الأغنياء والفقراء في تمويل عمارة العصر الكنيسة. ففي براغ أكمل كيليان اجناز دينتسنهوفر أعظم المعمارين التشيكيين، في عمارة ضخمة فخمة، كنيسة القديس نيقولا التي بدأها كريستوف دينتسنهوفر. وترك يوهان برنارد فيشر فون إرلاخ، أعظم المعماريين النمساويين، بصمته على سالزبورج، وباغ، وروما، وشيد هو وابنه يوزف إيمانويل رائعة من الباروك في كنيسة القديس شارل بفينا. وأبرزت الأديار الفخمة مجد الله ورفاهيات العزوية. فكان هناك مثلاً الدير البندكتي في ملك على الدانوب حيث نشر ياكوب برانتاوير ومساعدوه(6) مجمعاً يشتمل على مبان، وأبراج، وقبة، وفي داخله القصور الفخمة والأعمدة الرائعة، والزخرفة الفاخرة. وهناك دير القساوسة الأوغسطينيين القديم في دورنشتين الذي أعاد بناءه(7) بالباروكة الأنيق يوزف مونجناشت؛ ويلاحظ أن أهم مفاخره -البوابة الرئيسية والبرج الغربي- من إنتاج متياس شتايندل، وهو مثال اتجه إلى العمارة وهو في الثامنة والسبعين. وهناك كنيسة الدير البندكي وكتبته في آلتنبورج (وبانيهما هو مونجناشت أيضاً) وهما مشهورتان بالزخارف المترفة. وهناك دير الرهبان البندكتين في تسفيتل، وهو من آثار القرن الثاني عشر، وقد أقام فيه مونجناشت وشتايندل واجهة جديدة وبرجاً ومكتبة(9). أما الخورس الرائع فكان من صنع مايستريوهان في 1343-48؛ هنا أظهر الطراز القوطي القديم تفوقه على الباروك الجديد. ثم هناك دير ستامز في التيرول الذي أعاد بناءه(10) جيورج جومب، والذي تميزه المصبعات الحديدية والزخارف الجصية في بيت سلم "الأحبار"؛ وهنا كان يدفن أمراء الهايسبورج. وهناك كنيسة الدير في هوتسوجنبورج، وهي الرائعة التي أبدعها فرانتس بن يوزف مونجناشت، في حياته القصيرة (1724-48). وهناك كنيسة الدير في فيلليرنج، التي قيل فيها أنها "أبدع بناء بطراز الروكوك في النمسا"(11). ونلاحظ في مرورنا هنا الأرغن الرائعة في هذه الكنائس كالتي في هوتسوجنبورج وفيلرنج، والمكتبات الجميلة؛ ومن نماذجها مكتبة الدير البندكتي في آدمونت، المحتوية على 94.000 مجلد، 1.100 مخطوطة في هيكل من الزخرف الباروكي. لقد كان رهبان النمسا في قمة مجدهم في عصر الإيمان المتداعي الذي نحن بصدده.

 
امبراطورية كارل السادس في 1700

وقد جاراهم النبلاء بنفس الخطو. ففي النمسا والمجر، كما في ألمانيا، كان كل أمير يتوق إلى ضريب لفرساي؛ ومع أنه عجز عن منافسة ذلك البهاء المفرط فإنه جمع من الأسلاب ما أتاح له بناء "قصر" palais (كما كان يسميه) يعكس كل جانب ومظهر فيه سمو مكانته. فشاد أوجين أمير سافوي قصراً صيفياً على مستويين في ضيعته خارج فيينا "بلفدير واطئ" (وهو الآن متحف الباروك) و "بلفدير عالي" وضع تصميمهما الجميل يوهان لوكاس فون هلدبرانت. وصمم يوهان برنارد فيشر فون إرلاخ قصر الأمير الشتوي (وتشغله الآن وزارة المالية) كذلك وضع تصميمات لقصر شونبرون وحدائقه لينافس بهما فرساي، ولكن البناء الفعلي الذي بدأ في 1696 أغفل هذه التصميمات أو خفف منها أثناء تنفيذه. وصمم فيشر فون إرلاخ وابنه يوزف إيمانويل المكتبة الإمبراطورية-وهي المكتبة القومية الآن-التي يرى أخصائي في فن الباروك أن بها أبدع بناء داخلي لأي مكتبة في العالم(12). وفي 1726 فتح شارل السادس هذا الكنز للجمهور وفي 1737 اشترى لها مجموعة المخطوطات والكتب الهائلة التي كان يمتلكها أوجين أمير سافوي. لقد كانت فيينا، إلى حد كبير، أجمل مدينة في دولة الجرمان.

وقد جمل اكثر العمارة النمساوية بالنحت. ونذكر هنا بجهل خجول تمثال "المسيح المصلوب" الخشبي الذي صنعه أندريه تاماش في دير شتامز، وتمثال الإمبراطور فرانسيس الأول الرخامي الذي تحته بلقازا مول والمعروض في متحف الباروك بفيينا؛ وفي وسعنا أن نستشعر على البعد تفاني يوزف شتامل في فنه، إذ أنفق معظم حياته في تجميل دير آدمونت بالتماثيل. ولكن كيف يغتفر لنا كل هذا الإبطاء في التنويه بجيورج رافائيل دونير مثالا لا يفوقه بين مثالي العصر غير برنتيتي؟ فقد ولد في اسلنجن بمنخفضات النمسا (1693) وتلقى فنه على يد جولياني؛ وبفضل هذه الوصاية الإيطالية اكتسب الميل الكلاسيكي الذي أتاح له تنقية ما في الباروك النمساوي من إسراف. على أن تمثاله الرخامي "تمجيد شارل السادس"(13) ما زال يعاني من غرابة الباروك وشططه-ففيه يرى الإمبراطور وقد رفعه إلى السماء ملاك له ساقان خميلتان وثديان متألقان؛ ومع ذلك فنحن شاكرون للفن أن أعاد للصاروفيم (الملاك) شيئاً ملموساً-وهو الذي خالته الفلسفة مجرداً من الجسد. ومن آيات دونير الجديرة بعصر النهضة تمثاله "القديس مارتن والشحاذ" في كاتدرائية برسبورج (براتيسلافا)، ولمنحوتته الرخامية البارزة "هاجر في البرية"(14) جمال كلاسيكي ناعم. وقد بلغ أوجه في التماثيل التي صبها من الرصاص لنافورتين كبيرتين في فيينا: نافورة "العناية الإلهية" في السوق الجديدة، التي تمثل أنهار النمسا، ونافورة أندروميدا التي تنافس نافورة روما. وقبل أن يموت في 1741 بعام بالضبط صب لكاتدرائية جورك مجموعة تمثل بكاء مريم على جسد المسيح؛ وهي مجموعة كانت خليقة بأن تشيع البهجة في صدر رافائيل لأن دونير اتخذ اسمه.

ولم ينتج المصورون ولا الشعراء في هذا العصر في النمسا أو ممتلكاتها أي آثار تثير اهتمام العالم الخارجي، وربما يستثنى من هذه القاعدة الصور الجصية التي صورها دانيل جران داخل قبة المكتبة الكبرى في فيينا. أما في الموسيقى فقد كانت فيينا المركز المعترف به للعالم الغربي. وكان شارل السادس يعشق الموسيقى عشقاً لا يعلو عليه سوى حبه لبناته وعرشه. وقد لحن هو نفسه أوبرا، وصاحب فارينيللي عازفاً على البيان القيثاري، وقاد البروفات. وجلب لفيينا خيرة المغنين، والعازفين، والممثلين، ورسامي المناظر المسرحية، دون أن يعبأ بالتكاليف. وفي إحدى المناسبات أنفق -فيما قدرت الليدي ماري- ثلاثين أف جنيه ليخرج أوبرا واحدة(15). وبلغ عدد المرتلين والعازفين في فرقة كنيسته 135. وأصبحت الموسيقى "إمبراطورية"، أو على الأقل أرستقراطية. وفي بعض الأوبرات كان جميع المشاركين-ساء العازفين المفردين، أو الكورس، أو الباليه، أو الأوركسترا-أفراداً من الطبقة الأرستقراطية. وفي إحدى هذه الحفلات كانت تقوم بالغناء في الدور الرئيسي الأرشيدوقة ماريا تريزا(16).

وقبل أعظم كتاب نصوص الأوبرا في ذلك العهد الدعوة إلى فيينا. فأقبل أبوستولو زينو من البندقية في 1718، وعمل شاعراً لبلاط شارل السادس، وفي 1730 اعتزل في لطف مخلياً مكانه لبيترو تراباسي، النابولي الذي كان قد تسمى من جديد، "ميتاستاسيو". وفي السنوات العشر التالية كتب ميتاستاسيو-بالإيطالية دائماً-مسرحيات شعرية بلغ من قدرتها على إثارة العواطف أن كبار ملحني أوربا الغربية أسعدهم أن يلحنوها. ولم يضارعه أحد في تكييف الشعر وفق مطالب الأوبرا - أي في ملاءمة موضع نصه، وحركته، ومشاعره، لمقتضيات المغنين المنفردين، والثنائيين، والمقاطع الملحونة، والكوارس، والباليهات، والمناظر المسرحية؛ ولكنه فرض لقاء ذلك على الملحنين التوافق الإيقاعي بين موسيقاهم ومسرحيته. وعظم نجاحه حتى خشي فولتير أن تطرد الأوبرا الدراما من المسرح، وقال "إن هذا الوحش الجميل يخنق مليومين (ربة التراجيديا)"(17).

 
Apotheose كارل السادس (پاول تروگر 1739 في Stift Göttweig)

وتربع شارل السادس على عرش كل هذه الموسيقى، والفن، والبلاط المتعدد اللغات، والإمبراطورية، بيد مبسوطة، وقلب رحيم، وحزن رجل الحرب. ذلك أن قواده لم يستطيعوا أن يتبعوا عصا قيادته، وحين طالبهم بأغاني الفرح لم يعطوه غير المآسي. لقد جرت ريح الحرب مع النمسا رخاء ما دام أوجين أمير سافوي محتفظاً بقوة ذهنه وسلطانه، وهو الذي شارك ملبره صد جيوش لويس الرابع عشر؛ فانتزعت بلغراد من العثمانيين، وسردانيا من سافوى، وميلان ونابلي والأراضي المنخفضة الإسبانية من أسبانيا. ورقي أوجين لا قائداً عاماً لجميع الجيوش النمساوية فحسب، بل وزيراً أول ومديراً للدبلوماسية. والواقع أنه بسط سلطانه على كل شئ إلا الأوبرا، ولكنه- وقد أذعن للناموس الذي يبلي أجساد البشر-أصاب الوهن عقله لا جسمه فحسب. وفي حرب الوراثة البولندية(1733-35) انزلقت النمسا إلى صراع مع فرنسا، وإسبانيا، وسافوي (التي كانت تعرف آنئذ بمملكة سردانيا الصغيرة) وخسرت اللورين، ونابلي، وصقلية (1735-38)، وأسفر تحالفها مع روسيا عن حرب أخرى مع تركيا؛ وضاعت منها البوسنة، والصرب، والأفلاق، وعادت بلغراد تركية من جديد (1739). ولم يؤت الإمبراطور من المواهب ما يعوض به المواهب التي افتقدها معاونوه. وإليك رأى فردريك الأكبر فيه:

"أخذ شارل السادس من الطبيعة الصفات التي تصنع المواطن الصالح، ولكنه لم يأخذ صفة من تلك التي تصنع الرجل العظيم. كان سمحاً دون تمييز، له روح محدودة دون بصيرة ثاقبة؛ وكان قادراً على الانكباب على العمل، ولكن دون عبقرية، يجهد نفسه دون أن ينجز الكثير، ويجيد معرفة القانون الألماني، وعدة لغات، وقد نبغ في اللاتينية على الأخص. وكان أباً صالحاً وزوجاً صالحاً، ولكن شابه ما شاب جميع أمراء البيت المالك النمساوي من تعصب وميل للخرافة"(18).

وكان عزاءه وفخره في كبرى بناته ماريا تريزا، التي وطد العزم على توريثها عرشه: ولكن أباه ليوبولد الأول كان قد أبرم (1703) "ميثاقاً متبادلاً للوراثة" تقرر فيه أن يحكم الوراثة مبدأ حق الابن البكر؛ فإذا لم يوجد وريث ذكر انتقل التاج إلى بنات ابنه جوزيف (المولود في 1678) ثم إلى بنات ابنه شارل(المولود في 1685). وترك موت جوزيف الأول في 1711 دون وريث ذكر (ولكن بابنتين على قيد الحياة) التاج لشارل. وفي 17143 بمقتضى "أمر عال" أصدره شارل لمجلسه الخاص، أعلن مشيئته بأن ينتقل عرشه وأملاكه الشخصية بعد وفاته إلى أكبر أبنائه الحي، فإذا لم يكن هناك ابن على قيد الحياة فإلى كبرى بناته. وقد ولد ابنه الوحيد ومات عام 1726. وبعد أن انتظر شارل عبثاً إنجاب آخر، ناشد الدولة الأوربية أن تتفادى نشوب حرب وراثة بقبولها وضمانها الجماعي لنظام الوراثة الذي وضعه. وفي الأعوام الثمانية التالية قبلت أمره العالي أسبانيا، وروسيا، وبروسيا، وإنجلترا، وهولندا، والدنمرك، وإسكندناوه وفرنسا.

ولكن مصاعب نشبت فصنعت كثيراً من التاريخ. ذلك أن سكسونيا وبافاريا كان على قيد عرشيهما أميران متزوجان من ابنتي جوزيف أخي شارل، فطالبا الآن بوراثة عرش الإمبراطورية عملا بميثاق ليوبولد الأول، أما فردريك وليم الأول ملك بروسيا فوافق على أساس تأييد شارل له في مطالبته بجزء من دوقيتي يولش وبيرج ويبدو أن شارل وافق على هذا الشرط ولكن سرعان ما بذل لمنافسي فردريك ليم وعوداً عكس هذا الوعد. وعليه انضم ملك بروسيا إلى أعداء الإمبراطور(19).

 
تمثال كارل السادس في قاعة مكتبة المحكمة.

وفي 1736 تزوجت ماريا تريزا من فرانسس ستيفن، دوق اللورين، وگراندوق توسكانيا فيما بعد (1737)، وهي في الثامنة عشرة من عمرها. وفي 20 أكتوبر 1740 مات شارل السادس، مختتماً بموته فرع الذكور في بيت هابسبورج. واعتلت ماريا تريزا العرش بوصفها أرشيدوقة النمسا وملكة بوهيميا والمجر. وأصبح زوجها شريكاً لها في الحكم، وإذ لم يبد كبير اكتراث بشئون الدولة أو كفاءة تذكر للقيام عليها فقد وقع عبء الحكم كله على عاتق الملكة الشابة. وكانت في عام 1740 تملك كل مفاتن الأنوثة والملك؛ قسمات بديعة، وعيون زرق متألقة، وشعر أشقر غزير، ورقة في السلوك، وخفة في الحركة، ومتعة العافية، وحيوية الشباب(20). وكان ذكاؤها وخلقها يفوقان هذه المفاتن كلها قصراً عن التصدي للمشكلات التي أحدقت بها من كل جانب. وكانت الآن حاملاً في شهرها الرابع بالطفل الذي سوف يخلفها باسم جوزيف الثاني "المستبد المستنير". ونازعها حقها في العرش كل من شارل ألبرت ناخب بافاريا، وفردريك أوغسطس الثاني ناخب سكسونيا، وناصر حزب قوى في فيينا القضية البافارية، ولم يكن هناك تأكيد بأن المجر ستعترف بها ملكة عليها، ولم تتوج بهذا الوصف حتى 24 يونيو 1741. أما خزانة الإمبراطورية فخاوية إلا من 100.000 فلورين، زعمت الإمبراطورة أرملة شارل السادس أنها ملك لها. وكان الجيش مختل النظام، وقواده تعوزهم الكفاية. وكان مجلس الدولة مؤلفاً من أعضاء مسنين فقدوا القدرة على التنظيم أو القيادة. وانتشرت الشائعات بأن العثمانيين سيزحفون مرة أخرى على فيينا بعد قليل(21). وطالب فليب الخامس ملك أسبانيا بالمجر وبوهيميا، وملك سرداينا بلومبارديا ثمناً لاعترافهما بها(22). أما فردريك الثاني الذي أصبح ملكاً على بروسيا قبل تولي ماريا تريز العرش بخمسة شهور فقط، فقد بعث إليها يعرض الاعترافات بها والدفاع عناه ودعم انتخاب زوجها إمبراطوراً، شريطة أن تنزل له عن الشطر الأكبر من سيليزيا، فرفضت العرض، ذاكرة ما كان أبوها يرجوه من بقاء المملكة سليمة لا تجزأ ولا يمسها سؤ. وفي 23 ديسمبر 1740 غزا فردريك سيليزيا، ووجدت المملكة ذات الثلاثة والعشرين ربيعاً نفسها تخوض حرباً مع أقوى دولة في ألمانيا، ومع الرجل الذي قدر له أن يكون أعظم قائد في عصره.


وفاته وذكراه

 
مشهد وفاة الامبراطور (هارپرز، المجلة الشهرية الجديدة، المجلد 40، 1870).
 
تابوت كارل السادس في السرداب الامبراطوري. وقد دُفِن قلبه، بعد جنازة منفصلة، في مصلى لورِتو (كنيسة سانت أوگوستين، ڤيينا).
 
عملة أبرشية Göttweig التذكارية تصور الامبراطور كارل السادس


النسب


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الهامش

المصادر

  • Crankshaw, Edward: Maria Theresa, 1969, Longman publishers, Great Britain (pre-dates ISBN)
  • Jones, Colin: The Great Nation: France from Louis XV to Napoleon, University of Columbia Press, Great Britain, 2002, ISBN 0-231-12882-7
  • Fraser, Antonia: Love and Louis XIV: The Women in the Life of The Sun King, Orion books, London, 2006, ISBN 978-0-7538-2293-7
  • Mahan, J.Alexander: Maria Theresa of Austria, Crowell publishers, New York, 1932 (pre-dates ISBN)
  • Kahn, Robert A.: A History of the Habsburg Empire, 1526-1918, University of California Press, California, 1992, ISBN 978-0520042063
  • Acton, Harold: The Last Medici, Macmillan, London, 1980, ISBN 0-333-29315-0
  • Browning, Reed: The War of the Austrian Succession, Palgrave Macmillan, 1995, ISBN 0312125615363

الألقاب والتعاقب

كارل السادس، الامبراطور الروماني المقدس
وُلِد: 1 أكتوبر 1685 توفي: 20 أكتوبر 1740
ألقاب ملكية
سبقه
الامبراطور يوزف الأول
Duke of Teschen
1711–1722
تبعه
Leopold
الامبراطور الروماني المقدس (منتخب)
ملك في ألمانيا
(رسمياً ملك الرومان)

1711–40
تبعه
الامبراطور كارل السابع
ملك بوهيميا
(as Charles II)  
1711–40
تبعه
ماريا تريسا
ملك المجر
(as Charles III)
1711–40
ملك كرواتيا
(as Charles III)
1711–40
أرشدوق النمسا
(as Charles III)  
1711–40
سبقه
Charles III of Spain
(as Charles I)
 
Duke of Parma and Piacenza
1735–40
دوق Guastalla
1735–40
سبقه
Victor Amadeus II
ملك صقلية
1720–34
تبعه
Charles III of Spain
(as Charles VII)
 
سبقه
Philip V of Spain
(as Philip IV)
 
ملك ناپولي
1713–35
ملك سردينيا
1713–20
تبعه
Victor Amadeus II
كونت برشلونة
1705–14
اللقب اندمج مع
الملكية الإسپانية


قالب:House of Habsburg after Ferdinand II


الكلمات الدالة: